
كتبه : فائز الزاكي حسن
منذ ساعات الصباح الباكر من يوم الخميس 29 يناير، وقبل أن تكتمل حركة المدينة، كانت فوانيس حمراء لامعة تتمايل عند مدخل قاعة الصندوق القومي بمدينة عطبرة، تستجيب لنسيمٍ خفيف يحمل معه دلالات احتفال مختلف. الفوانيس بألوانها الزاهية علّقها طلاب من مركز الماندرين للغات بعناية وهدوء، لتعلن من العتبة الأولى أن المكان يحتفي بعيد الربيع الصيني، وأن الداخل مُقبل على فضاءٍ ثقافي يتجاوز الجغرافيا.
الضوء الدافئ المنبعث من الفوانيس ينساب على وجوه الزائرين المتتابعين، فيرسم ابتساماتٍ تلقائية ويمنح القاعة إحساسًا بالألفة والبهجة، كأنها ترحيب صامت بكل من يعبر الباب.

في الداخل، تداخلت الألوان والروائح والأصوات في مشهدٍ نابض بالحياة. زينات تقليدية تحمل رموز الحظ والتجدد توزعت على جانبي القاعة، بينما انساب لحن صيني هادئ في الخلفية، ممهدًا للزائر رحلة قصيرة عبر الثقافة والذاكرة. وأقمشة حمراء وذهبية عُلّقت بإتقان، وحروف صينية كُتبت بخط أنيق تلمع تحت الإضاءة، فتشدّ الأنظار وتثير الفضول.
وفي قاعة أخرى مخصصة للعرض، تراصّت الطاولات في صفوف منتظمة، تعلوها قدور كبيرة يتصاعد منها بخار عطِر. امتزجت رائحة الزنجبيل والصويا والتوابل الدافئة في الهواء، فحرّكت الحواس واستحضرت معنى المائدة في عيد الربيع، حيث يرمز الطعام إلى الوفرة ولمّ الشمل.

توقف الزائرون أمام الأطباق، يطرحون الأسئلة، ويتبادلون أحاديث قصيرة عن الأسماء والمكونات، بينما توثّق الهواتف لحظاتٍ سرعان ما تتحول إلى ذكريات.
قرب المسرح، انشغلت مجموعات فنية من طلاب المركز بالتحضير لعروضهم. أصوات اختبار الميكروفونات تختلط بضحكات خافتة، وأيدٍ تُعدّل الأوتار، وأقدام تضبط الإيقاع. لحظات صمت قصيرة تسبق الانطلاق، ثم ترتفع نغمة غنائية، يعقبها إلقاء شعري ولوحات فنية تجمع بين الحركة واللون، لتتعالى التصفيقات، وتتماوج الرؤوس مع الإيقاع، فيما تمتلئ القاعة بحضور كثيف يعكس تفاعلًا صادقًا واهتمامًا متزايدًا.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي ينظم فيه مركز الماندرين للغات احتفالًا برأس السنة القمرية في مدينة عطبرة، وعلى خلاف احتفال عام 2025 الذي أُقيم على عجل، جاء احتفال هذا العام أكثر تنظيمًا وإتقانًا في التصميم والإخراج.
وقبيل انطلاق الفعاليات، بدا مدير مركز الماندرين، موفق عاطف بابكر، أكثر ارتياحًا وهو يتابع تجهيزات القاعتين منذ الصباح الباكر، يراجع التفاصيل بعينٍ دقيقة، ويلقي نظرات متكررة على ساعته في انتظار وصول الضيوف.

وقال في تصريح خاص ” هذه المرة نحن أكثر استعدادًا، شعارات عيد الربيع والرسومات الخاصة به متوفرة، حصلنا على بعضها بجهود ذاتية، وأسهمت السفارة الصينية بالسودان بجزء مقدر منها”.
داخل قاعة العرض، بدا الاحتفال مساحةً حية بالألوان والحركة. طلاب المركز انشغلوا بتعليق الفوانيس وشعارات العيد والرسومات الرمزية، في مشهد عكس شغفًا حقيقيًا بتفاصيل الثقافة الصينية. تنقّل الزائرون بين الأركان، يتأملون الزينة، ويتبادلون الصور، فيما امتلأت القاعة بأصوات الشرح والضحكات وحركة الاستعدادات الأخيرة.

وعند المدخل، استوقفت لوحة جدارية كبيرة من القماش أنظار الداخلين، صورة حصان مرسومة بعناية ترمز إلى السنة الصينية الجديدة، سنة الحصان.
اللوحة صممتها الطالبة آلاء أبو بكر من مركز الماندرين، التي وقفت بجوار عملها تتلمس أطرافه وتشرح فكرته، قائلة إنها حرصت على تصميم اللوحة “على هيئة حصان في رمزية للسنة الصينية الجديدة”.
وقبل أن تختتم حديثها، وجّهت تحية وتمنيات بعام سعيد للأمة الصينية بلغة صينية رصينة، لاقت استحسان الحضور وأضفت على الأجواء بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا.

في ركن قصي من القاعة، كانت الطالبة سارة هشام (19 عامًا) تُجري تمارينها الأخيرة استعدادًا لتقديم كلمة باسم الطلاب. قبل عام واحد فقط، لم تكن سارة تعرف كلمة واحدة بالصينية، وقد حضرت احتفال العام الماضي كمشاهدة، واليوم شاركت في العروض الفنية كطالبة في المستوى الثالث، في مسار يعكس جهود مركز الماندرين الذي بات مركزًا رئيسيًا لتعليم اللغة الصينية عبر فروعه في عطبرة وبورتسودان وأم درمان.
ترتدي سارة قميصًا أحمر يتلاءم مع أجواء الاحتفال، وتقول “عندما حضرت الاحتفال العام الماضي لم أكن أفهم ما يقوله الطلاب، لكن ذلك شجعني على دراسة اللغة الصينية والتعرف على ثقافتها ومعاني عيد الربيع”.
من بين مئات الحضور، حضرت الشابة آية صديق (26 عامًا) للعام الثاني على التوالي، قادمة من أم درمان، ورغم مشقة السفر، لم يمنعها ذلك من المشاركة.
وقالت “السفر مرهق، لكنه أقل خطورة من العام الماضي، ما شاهدته حينها شجعني على العودة، معاني عيد الربيع نحتاجها اليوم، وأتمنى أن يكون الاحتفال المقبل في الخرطوم”.

ولاقت أغنية (نمران) التي قدمتها الطفلة الزهو أمير (7 سنوات) تفاعلًا واسعًا. غنّت وهي تقف على كرسي صغير ليتمكن الجمهور من رؤيتها، فغمرت القاعة تصفيقات حارة، كان في مقدمتها تحية القائم بأعمال السفارة الصينية بالسودان.
كما قدّم طلاب مركز الماندرين القالب الجمالي والرمزي لعيد الربيع عبر فنون قص الورق وكتابة الحروف وحرف (فو)، وهي أشكال شعبية تعبّر عن التمنيات بالخير والفرح والازدهار. واستمتع الأطفال بهذه الفقرات، وقصّ الطفل محمد (12 عامًا) أوراقه على شكل حرف (فو) بمساعدة أحد المواطنين الصينيين المقيمين بعطبرة، بينما اختارت طفلة أخرى أشكال الفراشات، في رمزية للحظ والبهجة وطرد الشر.
وبلغت الفعالية ذروتها بأداء أغنية صينية ترمز للوداع، مع وعد بالعودة واللقيا، حيث وقف الحضور يلوّحون بأيديهم ويرددون كلماتها، قبل أن يهتف الجميع بصوت واحد: “لتدم الصداقة بين الصين والسودان إلى الأبد”.

بعد ختام الفعاليات، تحولت الساحة الخارجية إلى ما يشبه كرنفالًا غير رسمي، تجمعات حول أطباق الطعام، وأحاديث متقاطعة بين سودانيين وصينيين، ووجوه تتعارف.
تولى مؤيد صلاح، خريج مركز الماندرين والعامل مع شركة صينية بولاية نهر النيل، مهمة الترجمة، قائلًا: “بفضل الماندرين أتقنت اللغة الصينية، وأساهم اليوم في فتح قنوات التواصل بين الشعبين”.

ووصف شيوي جيان، القائم بأعمال السفارة الصينية في السودان، الاحتفال بأنه إنجاز بارز في التعاون الثقافي بين البلدين، وقال في تصريح خاص ” كان هذا الاحتفال مذهلًا ومليئًا باللحظات المميزة، مما أتاح للصينيين المقيمين في الخارج تجربة الأجواء الغنية لرأس السنة الصينية”.

