تحليل ورأي

مفتاح المدى (حكاوي من زمن الحرب)

د. محمد حمد محمد أحمد يكتب✍️….

أمي… حكاية لا تنتهي

في الذكرى الأولى… كيف يعلّمنا الفقد معنى الحياة

في الذكرى الأولى للرحيل، لا نقف عند تاريخٍ عابر، بل نقف عند مرآةٍ صادقةٍ للحياة. عامٌ كامل مرّ، كأنّه ومضة حين نسترجع الذكريات، وكأنّه دهرٌ حين نستحضر لحظة الوداع.

الفقد لا يأتي ليُسقطنا، بل ليوقظنا. يعلّمنا أن الوقت ليس متّسعًا كما نظن، وأن الكلمات المؤجلة قد لا تجد طريقها غدًا. يذكّرنا بأن الامتنان يجب أن يُقال، وأن الحب لا ينبغي أن يُؤجل.

أمي…

في غيابك، يتبدّل معنى الأشياء. ندرك أن العطاء الصامت كان أعظم مما تخيلنا، وأن الدعاء الذي كنتِ تهمسين به في جوف الليل كان سياجًا يحمي أيامنا دون أن نشعر. وحين يغيب ذلك الصوت، نتعلم أن نصنع لأنفسنا صوتًا يشبهه… صوتًا يدعو، ويصبر، ويحتسب.

الفقد مدرسة قاسية، لكنه صادق. يعلّمنا أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بأثرها، وأن من نحبهم لا يختفون، بل يتحولون إلى قيم نعيش بها، وأعمالٍ نهدي ثوابها لهم، وذكرياتٍ تعيد ترتيب قلوبنا كلما اضطربت.

أمي …

في الذكرى الأولى، لا يكون الحزن كما كان في يومه الأول. يصبح أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا. يتحول من دمعة ساخنة إلى دعاء طويل، ومن صدمة موجعة إلى شوقٍ ناضج يعرف طريقه إلى السماء.

أمي …

عامٌ كامل مرّ منذ أن غاب صوتك عن تفاصيل يومي، لكن حضورك ما زال يملأ روحي. أدركت أن الأم لا ترحل حقًا، بل تنتقل من قرب الجسد إلى سكنى القلب. في غيابك تعلمت أن الدعاء هو لغة اللقاء، وأن الصبر هو الطريق الوحيد لعبور الفقد.

كل ما غرستِه فينا من قيمٍ ورحمة ما زال ينمو، وكأنك بيننا تبتسمين. عامٌ وأنا أتعلم كيف يكون الشوق صلاة، وكيف تتحول الذكرى إلى وطنٍ صغير ألوذ به كلما ضاقت الدنيا.

أمي …

كنتِ الأمان الذي لا يُرى، والطمأنينة التي لا تُوصف. فلما رحلتِ أدركت كم كان وجودك نعمةً كنا نعيشها دون أن نحسن عدّها. أمي، لا أقول إنك غبتِ، بل أقول إنك سبقتِنا إلى دارٍ أوسع، حيث لا وجع، ولا تعب، ولا قلبٌ ينكسر.

أمي …

رحمكِ الله رحمةً تليق بقلبك، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وجمعني بك يومًا لا يكون فيه فراق. رحم الله من رحلوا عنا، وجعل ذكراهم نورًا يهذّب أرواحنا ويعلّمنا كل يوم أن نعيش بصدقٍ أكثر، ونحب بوعيٍ أكبر، ونستعد للقاء لا فراق بعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى