
كتبه: فائز الزاكى حسن
بورتسودان – بينما كانت الطالبة السودانية آلاء أبوبكر ترفع قطعة من الورق الأحمر المقصوص بعناية أمام الحضور، لم يكن عرضها لفن قص الورق الصيني التقليدي مجرد فقرة ضمن مسابقة جامعية، بل بدا وكأنه تلخيص لحلم يتردد اليوم بين كثير من الشباب السوداني: البحث عن نافذة أوسع على العالم.
في مدينة بورتسودان شرقي السودان، اجتمع طلاب من جامعات مختلفة للمشاركة في النهائي الإقليمي لمسابقة “جسر اللغة الصينية”، وهي مسابقة تحولت بالنسبة للمشاركين إلى مساحة يتجاوزون عبرها حدود الدراسة التقليدية، نحو أحلام تتعلق بالسفر والمعرفة والتواصل مع ثقافات أخرى.

وقالت آلاء، التي تعلمت فن قص الورق الصيني في مركز الماندرين لتعليم اللغة الصينية، إن اللغة لم تعد بالنسبة لها مجرد كلمات أو قواعد، بل طريقا لاكتشاف حياة مختلفة وثقافة عريقة.
وأضافت، وهي تعرض زخارف ورقية صنعتها بيديها، “عندما أتعلم فنا صينيا أشعر أنني أقترب من الناس هناك، من تفاصيل حياتهم وطريقة تفكيرهم، وكأن العالم يصبح أكبر أمامي”.

وشارك في المسابقة 12 طالبا وطالبة من جامعات سودانية مختلفة إلى جانب طلاب مركز الماندرين، وقدموا خطابات وعروضا ومواهب باللغة الصينية، عكست مستوى متقدما من الشغف باللغة والثقافة الصينية.
وجاءت خطابات المشاركين تحت شعار “عالم واحد.. عائلة واحدة”، حيث تحدث الطلاب عن أهمية التقارب بين الشعوب، وقدرة اللغة على بناء الجسور بين الثقافات المختلفة.

وفي فقرة المواهب، امتزج الغناء الصيني بالشعر والعروض الفنية، بينما حاول كل مشارك أن يروي قصته الخاصة مع اللغة الصينية، ولماذا أصبحت بالنسبة له أكثر من مجرد تخصص أكاديمي.
وكانت الطالبة معزة طارق حسن، من قسم اللغة الصينية بجامعة الخرطوم، الأبرز في المسابقة بعد فوزها بالمركز الأول على مستوى السودان.
وقالت معزة، التي بدأت دراسة اللغة الصينية في العام 2019، إن هذا الفوز يمثل بالنسبة لها ثمرة سنوات من الاجتهاد والتعلم، مضيفة أنها تتطلع الآن إلى المرحلة المقبلة من المنافسة على مستوى الصين.
وأضافت “أشعر أن اللغة الصينية فتحت أمامي أبوابا لم أكن أتخيلها من قبل، وأصبحت أرى العالم بصورة مختلفة وأكثر اتساعا”.

ولا تخفي معزة طموحها المهني، إذ تقول إنها تحلم بالعمل في السلك الدبلوماسي وأن تصبح سفيرة للسودان يوما ما.
وأضافت “أؤمن أن اللغة يمكن أن تكون جسرا حقيقيا بين الشعوب، وأتمنى أن تساعدني اللغة الصينية مستقبلا في تمثيل بلادي وبناء علاقات أوسع مع العالم”.
وفي بلد يعيش منذ سنوات تحت وطأة الحرب والأزمات، تبدو مثل هذه الطموحات بالنسبة لكثير من الشباب محاولة للتمسك بالأمل وإعادة تخيل المستقبل بصورة مختلفة.
وقال مدير مركز الماندرين للغات موفق عاطف بابكر إن تنظيم المسابقة لم يكن سهلا في ظل الظروف التي يمر بها السودان، لكن الإصرار على استمرارها جاء انطلاقا من أهمية منح الشباب مساحة للأمل والطموح.
وأضاف “رغم التحديات، كان هناك إصرار من الطلاب والأساتذة على إقامة هذه الفعالية، لأن التعليم والثقافة يجب ألا يتوقفا”.
وأشار إلى أن الإقبال على تعلم اللغة الصينية في السودان يتزايد بصورة ملحوظة، مع تطور واضح في مستويات الطلاب عاما بعد عام.

من جهته، قال مدير القنصليات بوزارة الخارجية السودانية السفير أونور أحمد إن الحكومة السودانية تتجه نحو التوسع في تعليم اللغة الصينية داخل الجامعات، مع خطط لإدخالها مستقبلا ضمن المناهج المدرسية.
وأضاف أن الاهتمام باللغة الصينية يعكس رغبة الشباب السوداني في الانفتاح على العالم واكتساب أدوات جديدة للمستقبل.

أما القائم بأعمال السفارة الصينية لدى السودان شيوي جيان، فقال إن ما قدمه الطلاب خلال المسابقة يعكس روحا مميزة من الاجتهاد والطموح والشجاعة.
وأضاف “لم نر فقط مستوى جيدا في اللغة الصينية، بل رأينا أيضا شبابا يحاولون بناء جسور جديدة بين السودان والصين”.
وفي نهاية المسابقة، وبينما كانت معزة طارق حسن تحمل كأس المركز الأول وسط التصفيق، بدا المشهد بالنسبة لها أكبر من مجرد فوز أكاديمي.

وقالت “أحيانا نشعر هنا وكأن العالم بعيد جدا عنا، لكن عندما نتعلم لغة جديدة ونتعرف على ثقافات مختلفة، نشعر أن هناك حياة أوسع تنتظرنا”.
ثم أضافت بابتسامة هادئة: “بالنسبة لي، جسر اللغة الصينية ليس مجرد اسم مسابقة، بل طريق لرؤية عالم أكبر ومستقبل أكثر إشراقا”.

