تحليل ورأي

السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب:

عودة مثقلة بالصعوبات ونزوح مستمر

يخيّم صمت ثقيل على أحياء جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم، حيث تقف المباني المتضررة شاهدة على سنوات من القتال، بجدران متشققة وأسقف مفتوحة، فيما يتسلل ضوء الصباح كاشفا حجم الدمار الذي طال مناطق كانت تعج بالحياة. لا يُسمع في المكان سوى خطوات متباعدة وأصوات خافتة، في مشهد يعكس حالة من الحذر والترقب.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، لا تزال آثارها ماثلة في تفاصيل الحياة اليومية، إذ تبدو الخرطوم مدينة تحاول استعادة إيقاعها، لكنها لا تزال ترزح تحت ثقل الأضرار الأمنية والخدمية والاقتصادية.

نازحين يتلقون مساعدات غذائية
نازحين يتلقون مساعدات غذائية

في أحد الأحياء المتضررة بجنوبي الخرطوم، وقف محمد عبد الرحمن وسط منزله المدمر جزئيا، يتفحص ما تبقى، وقال إن عودته لم تكن سهلة، لكنها كانت مدفوعة بالأمل في استعادة حياته، وأضاف أن الواقع كان أكثر قسوة مما توقع، إذ وجد منزله متضرر، والخدمات الأساسية غائبة، ما جعله يشعر وكأنه يبدأ من الصفر.

وأشار إلى أن العودة، رغم أهميتها النفسية، لا تعني بالضرورة نهاية المعاناة، موضحا أن كثيرين عادوا إلى مناطقهم لكنهم يواجهون صعوبات كبيرة في إعادة بناء حياتهم في ظل ضعف الإمكانيات وغياب الدعم الكافي.

وتتزايد أعداد العائدين إلى العاصمة منذ بداية العام، في ظل تحسن نسبي في الوضع الأمني، خاصة بعد استعادة الحكومة السيطرة على المدينة.

وبحسب بيانات حديثة للمنظمة الدولية للهجرة، فقد عاد نحو 3.99 مليون سوداني من النزوح الداخلي والخارجي، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في أعداد النازحين مقارنة بالعام الماضي.

المنظمات الدولية تنشط في تقديم المساعدات
المنظمات الدولية تنشط في تقديم المساعدات

ورغم ذلك، لا تزال التحديات كبيرة، إذ تعاني مناطق واسعة من ضعف أو انقطاع الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والرعاية الصحية، إلى جانب محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي السوق المركزي جنوبي الخرطوم، بدت الحركة محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. المحال التجارية مغلقة جزئيا، وعدد المتسوقين قليل، فيما يحاول بعض الباعة استئناف نشاطهم وسط ظروف صعبة.

في أحد أركان السوق، جلست أمينة يوسف تبيع كميات قليلة من الخضروات. قالت إنها كانت تمتلك متجرا صغيرا قبل الحرب، لكنها فقدته خلال النزاع، واضطرت إلى البدء من جديد بإمكانات محدودة. وأضافت أن ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية جعلا العمل اليومي بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.

وأشارت إلى أن التحديات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الوضع الصحي، في ظل انتشار أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك، مع محدودية الخدمات الطبية. وذكرت أنها واجهت صعوبات كبيرة في الحصول على علاج لأحد أفراد أسرتها، ما اضطرها إلى التنقل بين أكثر من منطقة بحثا عن رعاية صحية مناسبة.

ورغم تسجيل بعض التحسن في عودة الخدمات وفتح عدد من المرافق، إلا أن التعافي لا يزال بطيئا، في ظل حجم الدمار الذي طال البنية التحتية، بما في ذلك الجسور وشبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات.

وفي وقت تحاول فيه الخرطوم استعادة جزء من حياتها، يتواصل التصعيد في مناطق أخرى من البلاد، لا سيما في إقليمي كردفان ودارفور، حيث تشهد هذه المناطق مواجهات متجددة وتدهورا في الأوضاع الإنسانية.

استمرار موجات النزوح في غرب السودان
استمرار موجات النزوح في غرب السودان

في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، أفادت فاطمة إسماعيل، وهي نازحة تقيم في مركز إيواء، بأن القتال أدى إلى تدمير منزلها وفقدان عدد من أفراد أسرتها. وأوضحت أن الحياة داخل مراكز الإيواء صعبة، في ظل نقص الغذاء والخدمات الأساسية، واستمرار القلق من تجدد الهجمات.

وفي أقصى غرب البلاد، وفي منطقة (الطينة) علي الحدود السودانية التشادية تتواصل حركة النزوح من المنطقة، حيث تغادر الأسر بيوتها تحت ضغط العمليات العسكرية. وقال أحمد آدم، وهو أحد النازحين، إنه اضطر إلى الفرار مع أسرته بعد تصاعد القصف، تاركا خلفه مصدر رزقه، ليواجه مستقبلا مجهولا في مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وأضاف أن الرحلة كانت شاقة، إذ تنقلوا عبر مسارات وعرة في ظروف قاسية، مشيرا إلى أن كثيرين فقدوا ممتلكاتهم وأقاربهم خلال تلك الأحداث.

النازحون في غرب السودان يعانون من اوضاع انسانية معقدة
النازحون في غرب السودان يعانون من اوضاع انسانية معقدة

وتشهد مناطق واسعة من السودان تمددا مستمرا لمخيمات النزوح، حيث تصطف الخيام على أطراف المدن، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب.

وبعد ثلاث سنوات من القتال، تتشكل صورة معقدة في السودان، تجمع بين محاولات حذرة للتعافي في بعض المناطق، واستمرار التدهور والنزوح في مناطق أخرى.

ويعكس هذا الواقع معاناة مشتركة بين من عادوا إلى مناطقهم دون مقومات كافية للحياة، ومن لا يزالون في رحلة نزوح مفتوحة، في ظل غياب أفق واضح لتسوية تنهي هذا النزاع الممتد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى