ولايات

حين يمشي الحلم على العجلات: اللوري الذي يوقظ القرى من نومها

فائز الزاكي حسن

اللوري في الذاكرة السودانية ليس مجرد مركبة من حديد ومحرك، بل ذاكرة تسير على عجلات، وقطعة من وجدان الريف والمدينة معاً، تحمل معها رائحة التراب، وصوت الصفير الحاد الذي يشبه النداء البعيد للحياة.

هو القادم من الأفق محمّلًا بالبن والملح والقصص، يوقظ القرى النائمة على حواف الطرق الترابية، ويرسم بخطوط الغبار الباهتة خريطة عبوره في القلب قبل الطريق.

حين يمشي الحلم على العجلات: اللوري الذي يوقظ القرى من نومها
حين يمشي الحلم على العجلات: اللوري الذي يوقظ القرى من نومها

في المدن، يبدو اللوري شاهداً على صخب الحياة وازدحام الأرصفة وأحلام الرحيل، أما في القرى فهو حدثٌ اجتماعي، ووعدٌ بالفرح، وبشارة بالوصول. لا أحد يحتاج أن يراه ليعرف أنه اقترب؛ صوته يسبق ظله. “البوري” يصبح موسيقى القرية، نغمة يعرفها الأطفال جيداً، فيركضون حفاةً نحو مدخلها، يلوّحون بأيديهم الصغير، ويلاحقون الغبار كمن يلاحق الأحلام.

لا يمكن أن تخطئ هوية اللوري: شكله، لونه، ماركته، وحتى طريقة دخوله إلى القرية. بعض السائقين يطلقون البوري بأسلوب مميز، متقطع كأنهم يلقون السلام على البيوت واحداً واحداً. آخرون يتباطؤون عند المداخل، يترك للسكان فرصة التلويح، وللنساء أن يعدن ترتيب الثياب، وللرجال أن يتأملوا حمولته، وللذاكرة أن تستعد لتسجيل اللحظة.

سائق اللوري هو الشخصية الأكثر حضوراً وجاذبية في هذا المشهد. رجل نحته السفر وصقلته الطرق الطويلة. يتشح بالهدوء، يحمل شارباً كثاً، وطاقية تلتصق برأسه كما تلتصق العادات بالأرض. كريم البشرة من وهج الشمس والريح، وصوته يحمل خشونة الطريق ودفء الحكاية. يعرف تفاصيل الأرض، يعرف أماكن البيوت في كل قرية، يعرف من غادر ومن عاد، من تزوج، ومن ينتظر شحنة ملح أو برميل زيت أو زائر قادم من بعيد.

لا يمر في قرية دون أن يتوقف عند قلبها؛ مركز الأحاديث، مكان التجمع، محطة الذكريات — تحت شجرة نيم، أو جوار دكان عم حسن.

اللوري ليس مجرد ناقل للبضائع، بل ناقل للأخبار والمفاجآت. يعود محمّلاً بطرود المسافرين، وبرسائل العائدين، وبثياب الزفاف، وبحقائب الطلاب. على ظهره تختلط رائحة السكر مع رائحة الأمل، ورائحة البرتقال مع انتظار الحجاج، وصوت الحديد مع سلامات العيد.

كان الشعراء يكتبون عنه وكأنه كائن حي، يغني وهو يمشي، يهتز كأنّه يضحك، يشهق حين يعبر الوحل، ويتنفس حين يرتاح في ظل شجرة على قارعة الطريق.

في الليالي البعيدة، حين يمر اللوري تحت ضوء القمر، يصبح المشهد كأنّه من حكاية قديمة. يتوهج الحديد بفعل الضوء الباهت، تتراقص الأصوات بين قرقعة الإطار ونبض القلب، ويصير الطريق جسراً من الذاكرة.

وحين يغادر، لا يغادر وحده؛ يترك خلفه صدى يشبه شجن الوداع، ورائحة غبار تلتصق بالنوافذ، وصوتاً يظل عالقاً في الأذن… تماماً كالأغنية التي لا تنتهي.

ليس غريباً أن يُلهم اللوري الأغاني والأشعار. لأنه رمز عبور: من قسوة الواقع إلى رحابة الأمل. بين المدن والبوادي، بين الفرح والفراق، بين الذهاب والإياب، يظل اللوري حكاية من حكايات السودان — حكاية تمشي على الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى