
هل حرصت الولايات المتحدة الامريكية يوما علي نهضة وتقدم السودان ؟ كثر الحديث عن تدخل مرتقب للرئيس الامريكي دونالد ترامب بشان انهاء الحرب بالبلاد وفقا لتصريحات صحفية أدلى بها وزيرالخارجية الامريكي الذي بشر اهل السودان بان ترامب سيتولي بصفة شخصية ملف ايقاف الحرب الدائرة بالبلاد .
دعونا نتجاوز حالة الفرح الغامرة التي قابل بها البعض تصريحات الوزير الامريكي مع العلم ان مجموعتي تأسيس وصمود الداعمتان لتمرد حميدتي ترحبان بكل ما يصدر عن الرئيس الامريكي ولو توجه لحرق من تبقي من المواطنين بالداخل باعتبارهم فلول ونبت شيطاني وجب إستصاله ؟

وللإجابة على التساؤل الرئيس في صدر المقال لابد من وقفة تاريخية مع العلاقات السودانية الامريكية حتي نخرج برؤية وإجابة واضحة تكفي الاجتهاد القابل للصواب والخطأ.
بدأ التوجه الامريكي الواضح تجاه السودان في أواخر خمسينات القرن الماضي إبان حكومة عبود الذي إنقلب علي الديمقراطية الأولي إذ أوصى مركز الدراسات الاستراتيجية بوضع السودان ضمن الدول الافريقية جنوب الصحراء بعيدا عن المحيط العربي، تبنت الحكومة توصية المركز وتقرر اقامة شراكة استراتيجية مع السودان في حقبة الرئيس عبود الذي تلقى الدعوة لزيارة واشنطن واجراء مباحثات مع الرئيس الامريكي جون كنيدي وشهدت الزيارة تلقى السودان جملة من الفوائد الاقتصادية على راسها إنشاء جسر شمبات والمساكن الشعبية ببحري وشارع المعونة اضافة الي منح البلاد محطة الطاقة الكهربائية بخزان الروصيرص التي تقارب طاقتها التصميمية (300) ميغاواط من جنرال اليكتريك كهدية من الشعب الامريكي للشعب السوداني.
في اكتوبر 1964 أطاحت الثورة الشعبية بحكومة الجنرال عبود واتخذت حكومة الثورة والحكومات التالية موقفا عروبيا حادا داعما لفلسطين ولدول المواجهة ودعمت ذلك الموقف بعد النكسة عبر مشاركة قوة عسكرية في الجبهة المصرية كما باتت قاعدة وادي سيدنا ملاذا للطيران الحربي المصري بعد نكسة 1967 .
كان العالم العربي قبل النكسة منقسما بين جناحي الراحلين عبدالناصر والملك فيصل بسبب حرب اليمن ووصل أمر الخلاف لحد المواجهة العسكرية عندما أرسل عبدالناصر قواته الي اليمن غير أن الزيارات الماكوكية لمحمد احمد محجوب رئيس الوزراء خففت حدة التوتر بين الرياض والقاهرة، وفي قمة اللاءات الثلاث التي عقدت بالخرطوم أذابت الخرطوم الجليد بين ناصر وفيصل ليعلن الاخير فتح خزانة المملكة الغنية بعائدات النفط دعما للمجهود الحربي ولدول المواجهة فعاد الاصطفاف العربي الذي انتهى بانتصار العرب في حرب اكتوبر 1973 .
كانت كل جهود الخرطوم وما قامت به من تصفية الاجواء وتوحيد الصف العربي مرصودة من قبل الولايات المتحدة الامريكية التي ذهب كبار خبرائها إلى ان الهزيمة التي لحقت باسرائيل تجرعتها واشنطن قبل تل ابيب، ومنذئذ قررت الولايات المتحدة وضع السودان في منطقة الظل وعندما غادر وفد السودان الي واشنطن لاستلام محطة كهرباء الروصيري اعتذر الجانب الامريكي ، بل رفض بيع المحطة فاضطرت الحكومة لاستيرادها من شركة سيمنز الالمانية.
في سبعينات القرن الماضي سعى الرئيس الاسبق جعفر محمد نميري للاقتراب اكثر من الولايات بعد قضائه علي الحزب الشيوعي السوداني الذي كان واحدا من اقوى الاحزاب الشيوعية في افريقيا فماذا كانت مكافأته ؟ طالبت امريكا من الرئيس نميري وقف زراعة الاقطان طويلة التيلة بمشروع الجزيرة لان القطن السوداني طويل الشعرة هو المفضل لدي النساجون العالميون وكانت الاقطان الامريكية من العينة (اكالا) لا تحظى بالتسوق الا بعد انتهاء اقطان مصر والسودان من العينة الممتازة .
ثم توجهت الولايات المتحدة نحو اغراق البلاد بديون البنك الدولي التي تجاوزت الثلاثين مليار دولار امريكيا بسبب فوائدها العالية وذلك وفق توصية امريكية رغم ان الادارة الامريكية تدرك بعدم وجود مشروع اقتصادي يتطلب تلك الديون، ولعل اقرب مثال لذلك هو مبلغ السبعة ميلون دولار التي قدمت لمشروع الجزيرة واقيمت بها جملونات صارت مربطا لحمير المزارعين ولكنه التخطيط الامريكي الخاص باثقال البلاد بالديون .
وتواصل تجاهل امريكا للسودان بصورة جعلت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ترفض لقاء الصادق المهدي في القمة العربية بالقاهرة برغم انه الرئيس العربي الوحيد المنتخب من شعبه .
وقبيل حقبة الانقاذ عمدت الولايات المتحدة الي دعم جون قرنق رغم توجهه الاشتراكي الذي يتقاطع مع التوجه الرأسمالي الذي تعتمده امريكا والغرب الاوربي، وفي عهد الانقاذ قامت الولايات المتحدة مع حلفائها في غرب اوربا بفرض حصار اقتصادي خانق علي الخرطوم كما تبنت توجها ملموسا انتهى بفصل جنوب السودان، وعقب اندلاع حريق دارفور سعت الولايات المتحدة بقوة نحو فصل الاقليم الا ان مركز الدراسات الاستراتيجية اكد انه بفصل دارفور سيظهر تحالف قوي جدا بين السودان ومصر يمكنه ان يشكل تهديدا خطيرا لأمن اسرائيل .
أكد التقدم التكنولوجي والتقني في الأقمار الصناعية التي تمتلكها الولايات المتحدة ان السودان يمتلك نسبة عالية من احتياطي النفط العالمي خاصة في المربعات بقرب النيل، يأتي ذلك في وقت اقتربت فيه صناعة النفط الصينية من الوصول لذات الاعماق التي تتمتع بها صناعة النفط الامريكية، كما ان السودان يحظي بالذهب اذ تشير مراكز البحث العلمي بان التراب السوداني هو الاغني بالمعدن النفيس اضافة إلى تمتع البلاد بحوالي 120 مليون فدان قابلة للزراعة في وقد يشهد فيه العالم تراجعا مخيفا في الغذاء.
كل ذلك دفع الولايات المتحدة لاعادة تشكيل علاقتها بالسودان فتركت امره لمخلبها في المنطقة وهي دولة الامارات العربية المتحدة والتي تملك هي الأخري كتلة نقدية ضخمة تبلغ بضع ترليونات من الدولار متاكلة بسبب الصرف الكثيف فقررت الأخيرة السيطرة على البلاد مهما كان الثمن لتحقيق رغبة واشنطن، إضافة لضخ اموالها في تشييد ما تري من مشاريع بنظام البوت سيستم بنسبة فائدة تحددها ابوظبي وليس وكلائها في الحكومة التي تسعى لتشكيلها بالخرطوم مع حلفائها الذين ارتضوا بيع وطنهم وكانوا فيه من الزاهدين .
السؤال هو : هل تترك الولايات المتحدة مخلبها في المنطقة يمارس القتل وسفك الدماء وتهجير الأهالي في وقت تخندق فيه أهل السودان مع جيشهم لحماية بلدهم أم تتجه إلى الهبوط الناعم عبر المملكة العربية السعودية المقبولة لدي أهل السودان ؟
يتبع…

