ثقافة وفنون

رحل أرقي… وبقيت «عافية منك»

راصدون / خاص

بقلم: فائز الزاكي

كنت طالبًا في مدرسة الدبة الثانوية، في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وأوائل تسعينياته. كانت تلك السنوات أكثر من مجرد مرحلة دراسية؛ كانت زمنا تتشكل فيه الذائقة، وتولد فيه الذكريات التي لا يطويها العمر.

في تلك الأيام، كان اسم عبد الرحيم أرقي يتردد على كل لسان. لم يكن مجرد فنان، بل كان ظاهرة فنية صنعتها ضفاف النيل، وحملتها قرى الشمال إلى قلوب الناس. كانت حفلاته تجمع طيفًا واسعًا من عشاق الطمبور، ذلك الفن السوداني الأصيل الذي ظل لعقود طويلة أحد أهم أوتار الوجدان في شمال السودان ووسطه، يعبر عن الإنسان والمكان، ويختزن تاريخًا من الحنين والمحبة.

وما زلت أذكر، ونحن طلاب صغار، كيف كان الشوق إلى صوته يدفعنا أحيانًا إلى ما يبدو اليوم ضربًا من الجنون الجميل؛ فكنا نعبر النيل سباحةً من الدبة إلى أرقي لنحضر إحدى حفلاته، غير آبهين بتيار الماء ولا بمشقة العودة. كنا نبحث عن ليلة يصدح فيها الطمبور، فنشعر أن التعب كله قد تحول إلى فرح.

عبد الرحيم أرقي أيقونة فن الطمبور
عبد الرحيم أرقي أيقونة فن الطمبور

كانت تلك الرحلات درسًا آخر، خارج أسوار المدرسة؛ تعلمنا فيها أن للفن الحقيقي قدرة عجيبة على أن يجعل الإنسان يغامر من أجل لحظة جمال.

ترك عبد الرحيم أرقي إرثا غنائيا سيظل حاضرا في ذاكرة السودانيين. من أغنياته الخالدة: “حبي أنا ليك كان زادي”، و”حليل الفارقتهم”، و”لا بي إيدك”،  و”يمه… آه من حالي بعدك، يمه أنا اتعذب وراكي”. لكن تبقى أغنية “عافية منك” أيقونة فريدة في الغناء السوداني للأم، ونشيدا للمحبة التي لا يشبهها حب.

تبدأ الأغنية بدعاء لا يخرج إلا من قلب أم:

عافية منك وراضية عنك سو رضايـا
وما بخيب الرضا والدتو يا جنايا

منذ اللحظة الأولى، لا تغني الأم، بل تدعو. تعلن رضاها الكامل عن ابنها، وتجعل من ذلك الرضا زادًا له في الحياة، وكأنها تذكره بأن من حاز رضا أمه فقد حاز بابًا واسعًا من أبواب التوفيق.

ثم تمضي تستعيد سنوات العمر:

إنت من يادوب صغير من زمان دايمًا معايا
إنت ديمة أمامي سائر ما بخليك بي قفايا

إنها صورة الأم التي لا تعرف الغياب. طفلها يكبر أمام عينيها، لكنها لا تكف عن النظر إليه بعين الأم الأولى، تلك العين التي لا ترى في ابنها إلا قطعةً من روحها.

وحين تقول:

ما بتغيب من عيني لحظة ولا حصل سبتك ورايا

فإنها تختصر سنواتٍ كاملة من السهر والخوف والرعاية. ليست مبالغة شعرية، بل حقيقة تعيشها كل أم؛ أن يبقى أبناؤها حاضرِين في قلبها، حتى وهم بعيدون عنها.

ثم تبلغ الكلمات ذروة تأثيرها:

ولامن الله يشيل أمانتو أنا ببقى خاصاك بالرعاية
لي يرعاك البيرعى ولي بيك يبرد حشايا

هنا تتجلى أعظم صور الأمومة. تستحضر الأم حقيقة الرحيل، لكنها لا تفكر في نفسها، وإنما في ابنها بعد غيابها. فتودعه إلى الله، خير الحافظين، مطمئنةً قلبها بأن الذي أودعه لها يومًا لن يضيعه إذا استرد أمانته.

وتأتي العبارة التي تذيب القلب:

أصلك إنت هدية منو والله بيك أجزل عطايا
جيتني واحد مالو تاني رحمة في آخر صبايا

أي وصف يمكن أن يكون أبلغ من أن ترى الأم ابنها هديةً إلهية، ورحمةً نزلت عليها في آخر شبابها؟ إنه ليس مجرد ابن، بل نعمة استثنائية، وعطية لا تعادلها عطية.

أرقي صارع المرض لسنوات
أرقي صارع المرض لسنوات

لهذا لم تكن “عافية منك” أغنية للأم فحسب، بل وثيقة وجدانية تحفظ صورة الأم السودانية بكل ما فيها من حنان وصبر وإيمان. أغنية لا تعتمد على قوة اللحن وحدها، وإنما على صدق الإحساس الذي يجعل كل من يسمعها يرى وجه أمه، أو يستحضر غيابها، أو يهمس بالدعاء لها.

اليوم، وبرحيل عبد الرحيم أرقي، يفقد السودان واحدا من أنقى أصوات الطمبور، وصوتا لم يكن يغني للكلمات وحدها، بل لذاكرة الناس.

كان ابناً أصيلا للشمال، خرج من بيئة تعرف معنى البساطة، فحملها معه إلى كل أغنية. لم يكن الطمبور بين يديه آلة موسيقية فقط، بل كان لسان الأرض، وصوت النيل، وحكاية القرى الممتدة على ضفافه. وحين كان يعزف، كانت الأوتار تبدو وكأنها تستعيد أصوات السواقي، وهمسات النخيل، وحفيف الريح بين البيوت الطينية.

امتلك صوتا لا يعرف التصنع، ولا يحتاج إلى زخارف الأداء ليصل إلى القلب. كان يغني كما يتحدث الناس، لذلك أحبه الناس كما يحبون واحدا منهم. لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كانت الأغنيات هي التي تضيء حضوره.

الفن الصادق لا يقاس بعدد الحفلات، ولا بحجم الشهرة، وإنما بمقدار ما يتركه في أرواح الناس. وعبد الرحيم أرقي ترك في وجدان السودان أثرًا يصعب أن يمحوه الزمن. ستظل أغنياته تتردد في البيوت، وفي مناسبات الأفراح، وفي ليالي الحنين، وعلى ضفاف النيل التي شهدت ميلاد صوته.

فن الطمبور يفقد أحد رواده
فن الطمبور يفقد أحد رواده

يرحل الإنسان، لكن الأغنية الصادقة لا ترحل. تبقى تعبر الأجيال كما يعبر النيل البلاد، تحمل معها الحنين نفسه، والدفء نفسه، والوفاء نفسه.

رحم الله عبد الرحيم أرقي رحمةً واسعة، وأكرم نزله، وجعل ما زرعه من جمال في قلوب الناس صدقةً جارية لا تنقطع.

أما الطمبور… فسيظل كلما ارتجفت أوتاره، يروي سيرة ذلك الصوت الذي غاب عن الدنيا، لكنه بقي حيًا في ذاكرة السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى