بينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العالم إلى تجديد التضامن مع اللاجئين والنازحين وحماية حقوقهم، تتجسد في السودان قصص إنسانية تعكس واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث تجد أجيال متعاقبة نفسها مضطرة إلى خوض التجربة ذاتها التي عاشها آباؤها وأجدادها قبل عقود.
وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، قال غوتيريش إن ملايين النساء والأطفال والرجال ما زالوا يبحثون عن الأمان بعيداً عن ديارهم بسبب النزاعات والاضطهاد، داعياً إلى التمسك بالقانون الدولي للاجئين، ودعم المجتمعات المستضيفة، والعمل على توفير حلول تضمن للاجئين والنازحين العيش بأمان وكرامة، مع مضاعفة الجهود لإحلال السلام.

وعلى بعد نحو 15 كيلومتراً جنوب مدينة الدمازين، يبدو مركز إيواء “كرامة” شاهداً حياً على هذه المعاناة. فبعد ساعات من الأمطار، تتحول الطرق المؤدية إلى المخيم إلى مسارات موحلة تعيق الحركة، فيما تنتشر نحو 1500 إلى 1800 خيمة تؤوي قرابة تسعة آلاف نازح فروا من مناطقهم بسبب النزاع المسلح.
ومن بين هؤلاء النازحين يبرز سليمان صالح (73 عاماً)، الذي وجد نفسه يعيش تجربة النزوح للمرة الثانية في حياته. فالرجل الذي لجأ إلى إثيوبيا عام 1988 بسبب الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، عاد بعد سنوات إلى قريته قرب قيسان ليبدأ حياة جديدة، قبل أن تجبره الحرب الحالية على مغادرة منزله مرة أخرى.
ويحتفظ صالح حتى اليوم ببطاقة لجوء قديمة تعود إلى سنوات إقامته في أحد مخيمات مدينة أصوصا الإثيوبية. وبينما يتأمل البطاقة المهترئة يقول: “كنت أعتقد أن أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يترك أرضه، لكن الأصعب أن تخشى أن يعيش أبناؤك وأحفادك التجربة نفسها”.
وإلى جواره يجلس ابنه محمد (35 عاماً)، الذي نشأ على قصص اللجوء التي كان يسمعها من والده، قبل أن يجد نفسه نازحاً بدوره بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023. ويقول إن الأسرة اضطرت في أكتوبر الماضي إلى مغادرة منزلها ومزرعتها بعد تدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، لتبدأ حياة جديدة داخل المخيم تعتمد فيها على المساعدات الإنسانية وبعض الأعمال المؤقتة.

ولا تقتصر آثار النزوح على الكبار وحدهم. فالحفيد علي، البالغ من العمر ثماني سنوات، يقضي جزءاً من يومه في جلب المياه من نقاط التوزيع داخل المخيم. وعندما سُئل عما يفتقده أكثر، أجاب بكلمة واحدة: “مدرستي”، قبل أن يضيف أنه كان يحلم بأن يصبح معلماً أو مهندساً.
وفي الطرف الآخر من المخيم، تستعيد عائشة إدريس (58 عاماً) ذكريات لجوئها إلى إثيوبيا قبل أكثر من ثلاثة عقود. وتقول إنها عادت آنذاك لتبني حياتها من جديد، لكنها وجدت نفسها بعد الحرب الحالية مضطرة للنزوح مرة أخرى، فيما تفرقت أسرتها بين مدن سودانية ودول مجاورة. وتضيف: “كنت أظن أن أصعب ما في اللجوء هو ترك البيت، لكن الأصعب أن ترى أسرتك تتفرق أمام عينيك ولا تعرف متى ستجتمع مرة أخرى”.
وتحاول ابنتها مريم مواجهة الظروف الصعبة عبر بيع الشاي والقهوة داخل المخيم لتوفير احتياجات الأسرة الأساسية. إلا أن الدخل المحدود لا يكفي لتغطية متطلبات الغذاء والدواء، ما يجعل الأسرة، مثل آلاف الأسر الأخرى، تعتمد جزئياً على المساعدات الإنسانية.
وتقول فاطمة عبد الرحمن، المتطوعة بجمعية الهلال الأحمر بولاية النيل الأزرق، إن قصة أسرة سليمان صالح تلخص واقع آلاف العائلات السودانية، حيث يتكرر النزوح داخل الأسرة الواحدة عبر أجيال مختلفة، فيجد الجد الذي عاش تجربة اللجوء قبل عقود نفسه اليوم إلى جانب أبنائه وأحفاده داخل مخيم جديد.

ووفقاً لبيانات منظمة الهجرة الدولية، كان السودان يضم قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 نحو 2.8 مليون نازح داخلياً، قبل أن ترتفع الأعداد إلى مستويات غير مسبوقة، لتصل إلى نحو 16 مليون نازح ولاجئ، بينهم حوالي 12 مليون نازح داخل البلاد و4.3 ملايين لاجئ في دول الجوار، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
ومع حلول الليل داخل مخيم “كرامة”، تتلاشى ملامح الخيام تدريجياً خلف الظلام، فيما تظل أضواء متناثرة تحرس آلاف القصص المتشابهة. وبين ذاكرة اللجوء التي يحملها الأجداد، ومعاناة النزوح التي يعيشها الأبناء، وأحلام العودة التي يتمسك بها الأطفال، تتجدد في اليوم العالمي للاجئين دعوة الأمم المتحدة إلى حماية النازحين واللاجئين والعمل من أجل إنهاء النزاعات التي تدفعهم إلى الرحيل جيلاً بعد جيل.

