
الحضور الكريم
السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن ألتقي بكم اليوم في هذا المؤتمر الذي يأتي في توقيت بالغ الأهمية، ونحن نعمل معاً على الانتقال بالاقتصاد السوداني من مرحلة الصمود في مواجهة آثار الحرب إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء واستعادة مسار النمو.
وأود في مستهل حديثي أن أتقدم بالشكر والتقدير لشركائنا في التنمية، وفي مقدمتهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، على دعمهم المتواصل للجهود الرامية إلى تعزيز التعافي الاقتصادي وتهيئة البيئة الملائمة لعودة النشاط الإنتاجي.
كما أتوجه بالشكر للأشقاء والأصدقاء من الدول العربية والإسلامية، ولجميع شركاء التنمية، ولأصحاب الأعمال والمستثمرين السودانيين والأجانب، الذين ظلوا حاضرين رغم الظروف الصعبة، وأبدوا استعداداً للمساهمة في إعادة بناء القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السوداني.
من الصمود إلى التعافي
لقد تعرض الاقتصاد السوداني خلال منذ العام 2023م لصدمة غير مسبوقة، فقد كان للحرب أثر بالغ في النشاط الاقتصادي والإنتاجي و الإيرادات العامة، والتجارة الخارجية، والبنية الأساسية و أوضاع القطاع الخاص.
وقد انعكست هذه الصدمة بصورة واضحة على الناتج المحلي الإجمالي، الذي انخفض بأكثر من 40% خلال عامي 2023 و2024.
ومع ذلك، فإن الاقتصاد السوداني أثبت قدرة كبيرة على الصمود والتكيف وظهر ذلك فى التحسن التدريجي في الأوضاع الأمنية في عدد من الولايات خلال عام 2025، بدأت مؤشرات النشاط الاقتصادي في التحرك في الاتجاه الإيجابي، فتوقف مسار الانكماش، وحقق الاقتصاد معدل نمو بلغ نحو 1.7%.
ونحن ننظر إلى هذا التحسن باعتباره مؤشراً مهماً على بداية التعافي وليس نهاية للتحديات.
كما نستهدف، من خلال السياسات والإجراءات التي تتبناها الدولة، استعادة مستويات الناتج المحلي الإجمالي التي كانت سائدة قبل الحرب خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أعوام مع مواصلة العمل على توفير البيئة التي تسمح للقطاع الخاص بأن يقود جانباً رئيسياً من هذا التعافي.
تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي
لقد كان استقرار الاقتصاد الكلي أحد أصعب التحديات خلال الفترة الماضية، خاصة في ظل الانخفاض الكبير في الإيرادات العامة، وارتفاع النفقات العامة المرتبطة بالأمن والاستقرار والخدمات وعودة المواطنين إلى مناطقهم.
وقد أدى فقدان أكثر من 80% من الإيرادات الضريبية، إلى جانب توقف جانب كبير من عائدات النفط والصادرات، إلى ضغوط كبيرة على المالية العامة، وزيادة الاعتماد على التمويل بالعجز، وما ترتب على ذلك من ضغوط تضخمية إلا أننا بدأنا نشهد تحسناً تدريجياً في عدد من المؤشرات.
فقد انخفض معدل التضخم من 176% في عام 2024 إلى نحو 99.9% في عام 2025، وتستهدف الدولة خفض متوسط التضخم السنوي إلى ما لا يتجاوز 60% خلال عام 2026. وتشير بيانات التضخم الشهرية حتى الآن إلى إمكانية تحقيق هذا الهدف.
هذه المؤشرات لا تعني أن الطريق أصبح سهلاً، ولكنها تؤكد أن الاقتصاد بدأ يستجيب للإجراءات والسياسات المتخذة، وأن استعادة الاستقرار الاقتصادي هدف ممكن التحقيق.
المالية العامة والإصلاح الاقتصادي
تعمل وزارة المالية على تنفيذ حزمة من الإصلاحات التي تستهدف تعزيز الإيرادات العامة، وترشيد الإنفاق، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز الشفافية والحوكمة.
ويمثل التحول الرقمي أحد المحاور المهمة في هذه الجهود، من خلال رقمنة المدفوعات والمقبوضات الحكومية، وتطوير أنظمة الفوترة والمعاملات المالية، بما يعزز كفاءة التحصيل، ويحد من التسرب، ويدعم إحكام ولاية وزارة المالية على المال العام.
ونحن ندرك أن الاستقرار المالي والنقدي يمثلان شرطاً أساسياً لعودة الاستثمار والنشاط الاقتصادي، ولذلك فإن هدفنا ليس فقط معالجة الاختلالات الحالية، وإنما بناء أساس مؤسسي واقتصادي أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات مستقبلاً.
القطاع الخاص: من متلقٍ للدعم إلى محرك للتعافي
السيدات والسادة
إذا كانت الدولة مسؤولة عن توفير الاستقرار والسياسات والبنية المؤسسية، فإن القطاع الخاص هو الشريك الأساسي في إعادة تشغيل عجلة الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، فإن تعافي القطاع الخاص ليس هدفاً قطاعياً منفصلاً، وإنما يمثل جزءاً أساسياً من التعافي الاقتصادي الشامل للسودان.
ونحن نعول بصورة كبيرة على القطاع الخاص في استعادة النشاط الإنتاجي، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحريك الاستثمار، وتنشيط الصادرات، والمساهمة في استقرار الاقتصاد.
وفي مقدمة القطاعات التي نرى فيها فرصاً كبيرة يأتي القطاع الزراعي، لما يتمتع به السودان من موارد طبيعية وميزات نسبية وتنافسية يمكن أن تمكنه من استعادة موقعه في الأسواق الإقليمية والعالمية.
لدينا مساحات زراعية واسعة، وموارد مائية، وثروة حيوانية كبيرة، وموارد معدنية، وموقع جغرافي مميز إلا أن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الموارد إلى إنتاج واستثمار وصادرات وقيمة مضافة وفرص عمل.
وهنا يأتي الدور المحوري للقطاع الخاص فى دعم الاستثمار والإنتاج والصادرات
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد يقوده الإنتاج والاستثمار والصادرات.
وسنعمل على تحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتذليل العقبات أمام المستثمرين، وتعزيز دور الجهاز المصرفي في توفير التمويل للقطاع الخاص، مع إعطاء اهتمام خاص للمشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها من أهم مصادر التشغيل وتنويع الإنتاج.
كما نعول على القطاع الخاص في توسيع قاعدة الصادرات وخاصة الصادرات الزراعية والحيوانية إلى جانب التصنيع الزراعي الذي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في زيادة القيمة المضافة وإحلال جزء من الواردات.
وقد أظهر الحساب الجاري بعض التحسن إذ تراجع العجز من نحو 6 مليارات دولار في عام 2024 إلى حوالي 5 مليارات دولار في عام 2025 إلا أن القطاع الخارجي ما زال يواجه تحديات كبيرة خاصة في ظل محدودية الاحتياطيات من النقد الأجنبي.
ومن هنا فإن زيادة الإنتاج والصادرات ليست فقط قضية تخص القطاع الخاص، وإنما هي قضية مرتبطة مباشرة باستقرار الاقتصاد الكلي وسعر الصرف وتوفير النقد الأجنبي.
أولويات المرحلة المقبلة
إن رؤيتنا للتعافي الاقتصادي تقوم على أربعة محاور مترابطة:
أولاً: استعادة الاستقرار الاقتصادي، من خلال خفض التضخم، وتحسين المالية العامة، وإصلاح وتوحيد سعر الصرف بصورة تدريجية، والعمل على بناء احتياطيات مناسبة من النقد الأجنبي.
ثانياً: إصلاح المالية العامة والمؤسسات الاقتصادية، من خلال تعظيم الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الحوكمة والشفافية، واستمرار التحول الرقمي في إدارة الموارد العامة.
ثالثاً: إطلاق قدرات القطاع الخاص، من خلال تحسين بيئة الاستثمار، وتوجيه الائتمان بصورة أكبر نحو النشاط الإنتاجي، وإصلاح الجهاز المصرفي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
رابعاً: تمويل التعافي وإعادة الإعمار، من خلال حشد الموارد المحلية والخارجية، وتوجيهها نحو الأولويات التنموية والخدمات الأساسية والبنية التحتية والمشروعات التي تخلق فرص العمل وتعيد النشاط الاقتصادي.
السيدات والسادة،
إن الحكومة لا تستطيع أن تحقق التعافي الاقتصادي بمفردها، كما أن القطاع الخاص لا يستطيع أن يقوم بدوره في غياب بيئة اقتصادية ومؤسسية مستقرة.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية.
نحن في وزارة المالية نؤمن بأن دور الدولة في المرحلة القادمة هو تهيئة البيئة، ووضع السياسات، وإصلاح المؤسسات، وتوجيه الموارد نحو الأولويات، وخلق الظروف التي تمكن القطاع الخاص من الاستثمار والإنتاج والتوسع.
وفي المقابل، فإننا نتطلع إلى أن يكون القطاع الخاص شريكاً رئيسياً في إعادة بناء الاقتصاد، وليس فقط مستفيداً من برامج التعافي.
كما نقدر الدور الذي يقوم به شركاؤنا في التنمية، وفي مقدمتهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في دعم بناء القدرات، وتوفير الدعم الفني، والمساهمة في تصميم وتنفيذ برامج التعافي.
كلمة أخيرة
إن السودان يواجه تحديات كبيرة، ولا نقلل من حجمها، ولكننا في الوقت ذاته نرى فرصاً حقيقية أمامنا.
لقد أثبت الاقتصاد السوداني قدرته على الصمود في أصعب الظروف، وبدأت بعض مؤشرات الأداء الاقتصادي تتحرك في الاتجاه الصحيح.
والآن، فإن مسؤوليتنا المشتركة هي أن نحول هذا الصمود إلى تعافٍ مستدام، وأن نحول التعافي إلى نمو، وأن نحول موارد السودان الكبيرة إلى إنتاج واستثمار وصادرات وفرص عمل.
والرسالة التي نوجهها اليوم إلى القطاع الخاص هي أن الدولة تنظر إليكم كشريك أساسي في المرحلة القادمة، وأن عودة القطاع الخاص إلى الإنتاج والاستثمار ليست فقط جزءاً من التعافي، وإنما هي أحد أهم شروط نجاحه.
ونحن نتطلع إلى أن يخرج هذا المؤتمر برؤية عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ، تعزز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية، وندفع معاً نحو اقتصاد سوداني أكثر إنتاجاً وقدرة على الصمود والنمو.



