مستشفى أم درمان.. حين يلتقي الحب بالوفاء وتنتصر الذاكرة على الحرب
ريم ابوسنينة تكتب.. ( ضد الكسر)

هناك أماكن لا تكون مجرد مواقع للعمل، بل تتحول مع مرور السنوات إلى جزء أصيل من الوجدان والذاكرة والهوية.
ومن بين هذه الأماكن بالنسبة لي يظل مستشفى أم درمان شامخاً في القلب، حاضراً في تفاصيل الرحلة المهنية والإنسانية التي امتدت لما يقارب العقدين من الزمان.
بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات بسبب الحرب التي أشعلتها المليشيا المتمردة في السودان وما خلفته من معاناة وتشريد وآلام، أتيحت لي فرصة العودة إلى عملي في مستشفى أم درمان.
كانت لحظة استثنائية اختلطت فيها مشاعر الفرح والحنين والامتنان، وأنا أخطو مجدداً داخل أروقة هذا الصرح الطبي العريق الذي ظل شاهداً على تاريخ طويل من العطاء والخدمة والصمود.
منذ اللحظات الأولى شعرت بأن مستشفى أم درمان ما زالت كما عهدتها؛ قوية وثابتة، تحكي في كل زاوية من زواياها قصة صمود وعزة وإرادة لا تنكسر.
ورغم ما مرت به البلاد من ظروف قاسية، ظل المستشفى محتفظاً بروحه الإنسانية ورسالة العاملين فيه الذين يواصلون أداء واجبهم بإخلاص وتفانٍ.
وفي بنك الدم بمجموعة يوم الثلاثاء، كانت السعادة أكبر وأنا ألتقي بزملاء أعزاء لم تغيرهم السنوات ولا الظروف. وجدت الأستاذ عاطف محمد الحسن كما عرفته دائماً؛ برحابة صدره، ومهنيتة العالية، وأخلاقه الرفيعة، وقلباً عامراً بالمحبة والتعاون. ذلك النموذج المشرق الذي يجسد المعنى الحقيقي للعمل الإنساني والروح الجماعية.
كما سعدت بلقاء مجموعة من الشباب المجتهد والطموح، الذين يقدمون صورة مشرقة للكادر الصحي السوداني، وفي مقدمتهم د.سعاد ود.موسى ود.محمد ود.خيرية، إلى جانب نخبة طيبة من الممرضات والمحضرات اللاتي يقدمن جهوداً مقدرة في خدمة المرضى والعمل اليومي. لمست في الجميع روح الفريق الواحد، والتعاون الصادق، والثقافة المهنية العالية، والإصرار على مواصلة الرسالة رغم كل التحديات.
لقد كانت سعادتي كبيرة وأنا أعود إلى هذا المكان الذي منحني الكثير من الخبرات والذكريات والعلاقات الإنسانية الجميلة. فمستشفى أم درمان لم تكن يوماً مجرد موقع عمل بالنسبة لي، بل كانت مدرسة مهنية وإنسانية تعلمت فيها معاني المسؤولية والعطاء والانتماء.
واليوم، وأنا أستأنف عملي بين زملائي وأهلي في أم درمان، يزداد يقيني بأن المؤسسات العريقة تبقى قوية بأبنائها، وأن إرادة الحياة أقوى من الحرب، وأن السودان قادر على النهوض والتعافي ما دام فيه رجال ونساء يواصلون العمل بإخلاص من أجل خدمة الوطن والمواطن.
ستظل أم درمان مدينة الأحبة والذكريات الجميلة، وسيظل مستشفى أم درمان واحداً من أقرب الأماكن إلى قلبي، أعود إليه كل مرة بالشوق نفسه، والحب نفسه، والإيمان نفسه بأن رسالة الخدمة الصحية هي رسالة حياة وأمل ومستقبل.

