تحليل ورأي
أخر الأخبار

حين تتكلّم الرمال: منغوليا، العواصف الرملية ومستقبل الأرض في السودان

كتب: طلعت دفع الله عبد الماجد/ راصدون

حين تتكلّم الرمال: منغوليا، العواصف الرملية ومستقبل الأرض في السودان – من غبار المؤتمرات إلى تغيير وجه الأرض في الشمالية ومروي وشمال كردفان وطوكر

 

العواصف الرملية… إنذار من الأرض لا من السماء

العواصف الرملية والترابية لم تعد تُرى كظاهرة مناخية عابرة، بل كإنذار واضح من الأرض بأن تربتها انهكت، وغطاءها النباتي تقلّص، وأن استخداماتها تُدار على نحو غير مستدام

هذه العواصف تحمل معها كلفة صحية واقتصادية وبيئية باهظة؛ فهي ترفع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب، وتعطّل النقل والطاقة، وتُضعف الإنتاج الزراعي، خاصة في البلدان الجافة وشبه الجافة مثل السودان.

في هذا المنحي، أصبحت العواصف الرملية ملفاً محورياً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، التي تربط بين إدارة الأرض، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والعدالة المناخية

ماذا يناقَش في منغوليا ضمن مؤتمر الأطراف 17؟

تنعقد الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP17) في أولان باتور عاصمة منغوليا، لتضع مسار العمل الدولي للأعوام القادمة في مجال استعادة الأراضي ومواجهة العواصف الرملية والترابية.

الوثيقة المخصصة لهذا الموضوع (ICCD/COP(17)/9) ليست ورقة نظرية، بل تقرير عن التقدم المحرز، مع خطة لتعزيز العمل على إدارة مصادر العواصف، لا مجرد التكيف مع آثارها.

من أبرز ما تقدمه الاتفاقية اليوم «صندوق أدوات العواصف الرملية والترابية» (SDS Toolbox)، وهو حزمة من الخرائط والأدوات الإرشادية تساعد الدول على تحديد مناطق المصدر، وتحليل ظروفها، واختيار التدخلات المناسبة لكل حالة؛ من تحسين إدارة المراعي وحفظ التربة والمياه، وصولاً إلى نظم الإنذار المبكر وتقليل المخاطر على السكان.

كما يجري الدفع بمبادرة عالمية لإدارة مصادر العواصف للفترة 2026–2035، تستند إلى عقد الأمم المتحدة لمكافحة العواصف الرملية والترابية (2025–2034)، وتركّز على الرصد العلمي، وترميم الأراضي المصدِّرة للغبار، وربط المعرفة بالسياسات، وتعزيز التعاون بين الدول.

توصيات المؤتمر تؤكد أن التشجير وحده ليس كافياً، ما لم يُرافَق بتنظيم الرعي، وحماية البقايا النباتية، وتثبيت الكثبان، وإدارة المياه والري على نحو يحد من انكشاف التربة وتعرّضها للرياح.

كما تدعو بوضوح إلى مقاربة «الصحة الواحدة – One Health»، التي ترى أن حماية صحة الإنسان مرتبطة بحماية صحة الحيوان والنظم البيئية في آن واحد.

السودان: عندما تهدد الرمال التاريخ والحاضر معاً

في شمال السودان، تتجاوز قضية الرمال حدود البيئة إلى عمق التاريخ؛ فالأهرامات النوبية في الكرو وجبل البركل ومروي، ومعها المعابد والمقابر الملكية، تواجه اليوم ضغطاً متزايداً من الكثبان المتحركة والعواصف الرملية.

هذا الإرث، الذي يُعد من أهم مواقع التراث العالمي لليونسكو، يتعرّض لتهديد مزدوج: عوامل الطقس القاسية، ونقص الحماية، وزحف الرمال الذي يمكن أن يعيد دفن ما اكتشفته الأجيال الحديثة تحت الصحراء من جديد.

الظاهرة ليست جديدة؛ نقوش من القرن الخامس قبل الميلاد تصف كيف استنفر أحد ملوك كوش الرجال والنساء وحتى الأطفال لإزاحة الرمال عن الممرات بنفسه.

لكن تغيّر المناخ اليوم، مع مزيد من الجفاف والعواصف المتكررة، جعل حركة الرمال أكثر سرعة وضغطها على القرى والحقول وقنوات الري أكثر قسوة، حتى بتنا نرى رمالاً قادرة على ابتلاع منازل بأكملها في الريف السوداني، ودفن الأراضي الزراعية وضفاف النهر.

في هذه الصورة، لا تكون العواصف الرملية مجرد ظاهرة طبيعية، بل قوة قادرة على إعادة رسم الجغرافيا، وتهديد التراث، وتقويض سبل العيش في ولايات مثل الشمالية ونهر النيل وشمال دارفور وشمال كردفان ومناطق طوكر بشرق السودان.

من الأهرامات إلى السور الأخضر العظيم

أحد أهم الحلول التي يناقشها الباحثون لمواجهة زحف الرمال في السودان هو تعزيز الغطاء النباتي، ليس فقط حول الأهرامات والمواقع الأثرية، بل أيضاً حول القرى والحقول وشبكات الري.

في هذا الإطار، يمثّل «السور الأخضر العظيم» مبادرة إفريقية طموحة تشترك فيها أكثر من 20 دولة، بهدف استعادة نحو 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة على امتداد حزام واسع من السنغال إلى جيبوتي، ويمر جزء كبير منه عبر السودان.

حتى الآن، لم تُستعاد إلا قرابة 40٪ من المساحة المستهدفة، مع تفاوت كبير بين الدول، لكن التجارب الميدانية تشير إلى أن زيادة الغطاء النباتي في هذا الحزام يمكن أن تبطئ حركة الكثبان، وتحد من قوة العواصف، وتحمي الأراضي الخصبة ومواقع التراث في شمال السودان.

كما يمكن لهذا الغطاء النباتي أن يخفف من موجات الحر الشديد في المناطق شبه القاحلة، مثل الخرطوم التي تتجاوز فيها درجات الحرارة أربعين درجة مئوية في الصيف، وأن يحسّن الظروف المناخية المحلية على المدى الطويل.

هنا تلتقي أجندة منغوليا مع واقع السودان: فكل شجرة تُزرع في حزام السور الأخضر، وكل موضع تُثبّت فيه التربة، هو تطبيق عملي لما تناقشه الاتفاقية في بند إدارة مصادر العواصف.

العلم يتتبع الكثبان من السماء إلى الأرض 

إلى جانب التدخلات الميدانية، يبرز دور العلم والتقنية في فهم حركة الرمال والتنبؤ بمسار الكثبان.

أعمال بحثية حديثة في شمال السودان استخدمت صوراً جوية متداخلة لبناء نماذج ارتفاع رقمية للكثبان، ثم انتقلت إلى استخدام صور الرادار والأقمار الصناعية وتقنية الليدار (الليزر المحمول جواً) لمراقبة تغير شكل الكثبان وسرعة زحفها.

في السياق السوداني، يقدّم بحث الدكتوراه الذي ينجزه أحمد معتصم عبد الله محمود في جامعة نوتنغهام نموذجاً ميدانياً لهذا التوجّه العلمي؛ إذ يستخدم صور رادار الأقمار الصناعية، والليدار المحمول جواً، والتصوير الجوي المتداخل لبناء نماذج ارتفاع رقمية للكثبان في شمال السودان، ويربط حركتها بمتغيرات الرياح، والغطاء النباتي، والتضاريس، بهدف التنبؤ بمسار الزحف الرملي وتقييم جدوى الحواجز النباتية والهندسية في حماية المواقع الأثرية والأراضي الزراعية على السواء.

هذه الأبحاث لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تربط بين حركة الكثبان وعوامل مثل سرعة الرياح واتجاهها، وطبيعة التضاريس، ووجود الغطاء الزراعي أو غيابه، لتقدير متى يمكن أن تغطي الرمال حقلًا أو قناة أو حتى هرماً أثرياً، وما نوع الحواجز النباتية أو الهندسية الأكثر فاعلية في إيقافها أو حرف مسارها. بهذا المعنى، يصبح الاستشعار عن بعد شريكاً أساسياً لصانع القرار، لا مجرد أداة بحثية.

من هنا… كيف ينبغي أن يتعامل السودان مع العواصف الرملية؟

من هنا، لا ينبغي للسودان أن يتعامل مع قضية العواصف الرملية كـ «موسم مزعج من الغبار» ينقضي ثم يُنسى، بل كقضية أمن بيئي واقتصادي وصحي من الدرجة الأولى، تمس حياة الناس ومعاشهم واستقرارهم في الحضر والريف معاً.

وإذا استطعنا، بعلمٍ وسياساتٍ رشيدة وإرادةٍ مجتمعية، أن نحوّل رمال الشمالية ونهر النيل وشمال دارفور وشمال كردفان وطوكر وسائر الأقاليم المهدَّدة من «مصدرٍ للعواصف» إلى «مساحاتٍ مستعادةٍ للحياة»، نكون قد جعلنا من أجندة منغوليا رافعةً حقيقيةً لحماية الأرض والإنسان في السودان، لا مجرد وثائق تُقرأ في القاعات ثم تُركن على الرف، بل طريق عمل وطني مشترك يغيّر وجه الأرض وما عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى