
بعد أعوام من الغياب القسري للحياة العامة بسبب الحرب، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم حدثًا لافتًا تمثّل في انطلاق مهرجان الزهور، في مشهد أعاد إلى المدينة شيئًا من ألقها المفقود، وأضفى على فضاءاتها العامة ألوانًا وروائح غابت طويلًا منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023.
ويُعد المهرجان، الذي يستمر لمدة أسبوع، الأكبر من نوعه في مجال البستنة وتنسيق الحدائق، حيث تشارك فيه أكثر من 150 شركة ومنتجًا من ولايات سودانية مختلفة، عارضةً أصنافًا متعددة من نباتات الزينة، والشتول، والزهور الموسمية، والأشجار المثمرة، إلى جانب نماذج لتصميم المساحات الخضراء، بعضها يُعرض للمرة الأولى في معارض من هذا النوع.

وانتشرت أجنحة العرض داخل موقع المهرجان في تنسيق منظم، تدرّجت فيه الألوان بين الزهور، وتداخلت النباتات الظلية مع المزهرة، فيما عكست الأواني الفخارية والسلال المعلقة طابعًا محليًا بسيطًا، حمل رسالة واضحة مفادها أن الجمال يمكن أن يولد حتى في ظل شح الإمكانات.
وقال مدير الإدارة العامة للموارد الطبيعية والغابات بوزارة الزراعة بولاية الخرطوم، أبوبكر الطيب، في تصريح لـ«راصدون الإخباري»، إن إقامة المهرجان تمثل “خطوة رمزية مهمة في مسار تعافي الخرطوم”، مشيرًا إلى أن “عودة مثل هذه الفعاليات تعكس رغبة المجتمع في استعادة الحياة المدنية والاهتمام بالبيئة والمساحات العامة”.
وأضاف أن هذا المعرض يُعد الأول من نوعه بعد استعادة الولاية، لافتًا إلى عرض أنواع عديدة من الزهور ونباتات الزينة والظل، بعضها لم يكن متوفرًا سابقًا، ومؤكدًا أن الخرطوم “بدأت تدريجيًا في استعادة غطائها الأخضر”.

وشهد المهرجان إقبالًا ملحوظًا من الزوار، بينهم عائلات وشباب وكبار سن، تجولوا بين الأجنحة، وتبادلوا النقاشات حول طرق الزراعة والعناية بالنباتات، في أجواء اتسمت بالهدوء والبهجة.
وقالت ريهام مصطفى، وهي من المهتمات بزراعة الزهور، لـ«راصدون الإخباري»، إن المهرجان أعاد إليها شعورًا غاب لسنوات، موضحةً أن “الحديث عن الزهور كان يبدو ترفًا خلال الحرب، لكن اليوم نشعر بأن المدينة تستعيد أنفاسها”.
وأشارت إلى أن أكثر ما لفت انتباهها تنوع النباتات المعروضة، خاصة نباتات الزينة الخارجية مثل “الأراولا”، إضافة إلى نباتات منزلية معروفة بقدرتها على تحسين جودة الهواء.
من جهته، رأى أحمد عبد الله، أحد الزوار، أن المهرجان يحمل دلالة تتجاوز الجانب الجمالي، قائلًا لـ«راصدون الإخباري» إن المكان الذي يحتضن الفعالية “كان قبل أشهر مصدر قلق وخوف، لكنه تحول اليوم إلى مساحة مفتوحة للأمل والتلاقي”.
وأوضحت الجهة المنظمة، حدائق مارينا القريبة من شارع النيل، أن الهدف من المهرجان لا يقتصر على العرض، بل يشمل دعم المنتجين المحليين وتنشيط ما يُعرف بالاقتصاد الأخضر.
وقال مدير حدائق مارينا ورئيس اللجنة المنظمة، محمد السعودي، في تصريح لـ«راصدون الإخباري»، إن المهرجان يمثل فرصة لإعادة تحريك سلاسل إنتاج توقفت لسنوات، مؤكدًا أن مشاركة عشرات الشركات من مختلف الولايات “تحمل رسالة واضحة بأن الخرطوم قادرة على النهوض واستعادة وجهها البيئي”.

ويأتي تنظيم مهرجان الزهور في وقت تشهد فيه الخرطوم عودة تدريجية للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، عقب دمار واسع طال البنية التحتية خلال الحرب. ورغم بقاء آثار النزاع حاضرة في المشهد العام، يرى مراقبون أن مثل هذه الفعاليات تسهم في استعادة التوازن النفسي والاجتماعي للسكان.
وقال علي عمر، أحد زوار المهرجان، لـ«راصدون الإخباري» إن انتشار الزهور، وتفاعل الزوار، وابتسامات الباعة، جعلت الخرطوم “تبدو، ولو مؤقتًا، مدينة تحتفي بالحياة من جديد”، مضيفًا أن هذه المبادرات تساعد في استعادة المظهر الجمالي للعاصمة بعد ما لحق بها من خراب.
وتواصل الحكومة جهودها لإعادة مظاهر الحياة الطبيعية إلى الخرطوم، مع إعطاء أولوية لإصلاح الخدمات الأساسية، وسط مؤشرات على تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية بعدد من الأحياء.
ووفقًا لتقارير دولية، عاد أكثر من 1.4 مليون شخص إلى العاصمة خلال الفترة الماضية، فيما أعلنت الحكومة استئناف عمل مؤسساتها من الخرطوم مطلع يناير 2026، بعد فترة من إدارتها من بورتسودان.

