
خاص: اجتماع فريق الأمم المتحدة القطري في الخرطوم أمس (الاثنين) ولأول مرة منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023 ليس مجرد فعالية تنظيمية عابرة، بل خطوة بالغة الدلالة تتجاوز البعد الإداري إلى ما يمكن وصفه بإعادة اختبار نبض العاصمة التى تستعيد حيويتها، واستكشاف حدود الممكن في المشهد السوداني المضطرب.
تصريح المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، بأن الانتقال يشير إلى “تعزيز تنسيق الأمم المتحدة وانخراطها الميداني على الأرض”، يعكس رغبة المنظمة في التخلي التدريجي عن إدارة الأزمة من خلف الحدود، والتحول إلى شريك فاعل داخل مسرح الأحداث. فالحضور الميداني لا يعني فقط قدرة على الوصول الإنساني، بل أيضاً محاولة لاستعادة ثقة الأطراف ورفع مستوى التأثير في مسارات التفاوض وإدارة الصراع.
من الناحية الرمزية، يعطي الاجتماع رسالة مزدوجة: أولاً، أن الخرطوم — رغم الدمار الذي تعرضت له — ما زالت تُعامل باعتبارها مركز الشرعية السياسية والدبلوماسية. وثانياً، أن الأمم المتحدة تسعى لإثبات أن وجودها لا يقتصر على مقارّ في بورتسودان أو أديس أبابا، بل يشمل العاصمة ذات الثقل السياسي والنفسي والإنساني.
لكن خلف هذه الرمزية تبرز أسئلة جوهرية: هل يمثل الحضور الأممي مقدمة لتحركات أكبر، ربما المشاركة في ترتيبات ما؟ أم أنه مجرد وجود ميداني لتحسين إيصال المساعدات الإنسانية؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة أن تمارس دوراً فاعلاً في ظل تراجع نفوذها أمام أدوار إقليمية صاعدة مثل السعودية، الايقاد، والاتحاد الأفريقي؟
عودة الأمم المتحدة إلى الخرطوم تحمل أيضاً أبعاداً تكتيكية، فهي تأتي في وقت حساس يشهد حراكاً دبلوماسياً متزايداً، وتنامياً في الأصوات الداخلية والدولية الداعية لحل سياسي. كما أن هذه العودة قد تُقرأ كمحاولة لإعادة تفعيل أدوات الوساطة التي تراجعت فاعليتها خلال العامين الماضيين، في ظل تعثّر مسارات جدة وأديس أبابا.
لكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على قدرة المنظمة على تحويل وجودها من حضور رمزي إلى تأثير ملموس، عبر انتزاع ضمانات فعلية للوصول الإنساني، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع الأطراف المتحاربة، وتقديم مبادرات قابلة للتنفيذ، بعيداً عن لغة البيانات.
في المحصلة، اجتماع فريق الأمم المتحدة في الخرطوم لا يُعد مجرد حدث مؤسسي، بل لحظة اختبار للحضور الدولي: هل يستطيع أن يعود لاعباً أساسياً في معادلة السلام السودانية؟ أم سيظل شاهداً حذراً يراقب من الهامش؟
ما حدث أمس يفتح الباب — وليس الطريق — لعودة دبلوماسية أكثر حضوراً، لكنها عودة ستظل رهينة قدرة الأمم المتحدة على التوفيق بين المثاليات الأممية والحقائق على الأرض. /النهاية/

