وقف العمل بمسالخ الذبح بولاية الخرطوم
بقلم: بروفيسور النعمة عبد الخالق استشاري سلامة الأغذية

طالعنا في الآونة الأخيرة بعض الأقلام الصحفية التي تندد بتوصيات اللجنة التي كونها مدير عام وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بشأن تقييم الأداء بمسالخ ولاية الخرطوم. ففي حين أطلقت هذه الأقلام صرخة استغاثة للسيد الوالي وأمين عام الحكومة واللجنة الأمنية للدفاع عن شعب الولاية المغلوب على أمره بأن هذه المسالخ أنشأت خصيصاً لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين ومحاربة ظاهرة الكيري (الذبح غير الشرعي) وأن القرارات انتقامية ضد أصحاب المسالخ،
وانصب النقد بصفة شخصية على مساعد المدير العام للثروة الحيوانية بالوزارة بالاسم وليس الصفة كأنما قصد من ذلك إغتيال الشخصية وطالبوا أن يكون القرار هو دفع أصحاب المسالخ نحو التطوير وليس الإغلاق. وكذلك مناشدتهم للجنة الأمنية بالولاية للتدخل غير موفقة لأن اللجنة الأمنية جزء من تشكيل هذه اللجنة.
إليكم الحقائق الآتية:
سبق أن أغلقت السلطات البيطرية بولاية الخرطوم في أوقات سابقة مسالخ لذات الأسباب منها مسطبة الحلفاية، مسطبة حلة كوكو، مسطبة المركز الإقليمي لفحص وتفتيش درجات اللحوم ومسطبة الصحافة.
مساعد المدير العام بالوزارة لم يشكل اللجنة برغبته وإنما قرار التشكيل صادر بأمر من مدير عام وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم “القرار الإداري رقم (13) لسنة 2026م بتاريخ 17 / 3 / 2026م” والهادف إلى تقييم وضع المسالخ والمساطب بولاية الخرطوم برئاسة مساعد المدير العام لقطاع الثروة الحيوانية والسمكية. وقد جاء تشكيل اللجنة واسعاً يضم ممثلين لكل الجهات ذات الصلة محلية واتحادية ومن بينهم كاتب هذا المقال ممثلاً للمجلس البيطري السوداني (المعني بتطوير الخدمات البيطرية بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة).
تم التقييم بواسطة قائمة تدقيق علمية مفصلة مبنية على التشريعات الآتية: قانون صحة اللحوم بولاية الخرطوم رقم (16) لسنة 1997م، لائحة الضوابط والمواصفات الفنية والهندسية للسلخانات بولاية الخرطوم (سبتمبر 1997م)، المواصفة السودانية القياسية للمسالخ (م س د ق 294/2007) وقواعد هيئة الدستور الغذائي العالمية (كودكس).
أتيحت الفرصة لكافة أعضاء اللجنة بزيارة المساطب للوقوف على وضعها الصحي والبيئي، وقد تم توزيع الأطباء البيطريين على المسالخ لإجراء عملية التقييم.
أجمع أعضاء اللجنة على عدم صلاحية المساطب لإنتاج لحوم تصلح للاستهلاك الآدمي.
لماذا لا تصلح المساطب لإنتاج لحوم صحية وسليمة؟
حسب المواصفات الفنية الاتحادية والولائية تنشأ المسطبة في المناطق الريفية منخفضة معدلات الذبح على مساحة خمسة أفدنة، وتجهز برافعة وسطح خرساني وسقف معدني لتعمل كمجزر اقتصادي صغير السعة، مع توفير أدوات التثبيت والسلخ وتعليق الذبائح ومصدر مياه كاف، إضافة إلى حظائر إيواء مزودة بمياه شرب دائمة، وضمان التخلص السليم من النفايات عبر جدار محيط وفواصل صحية، مع ضرورة رصف المنطقة بالخرسانة أو البيتومين لتحسين الظروف الصحية وظروف العمل. أما المسالخ فهي منشآت مجهزة بالكامل في المناطق ذات معدلات الذبح العالية، بحيث تضم صالة واسعة تنفذ فيها العمليات المتتابعة وفق تسلسل صحي وتقني يبدأ بالتقييد وينتهي بتجهيز الذبائح، وفق نظام التدفق الخطي من دخول الحيوانات الحية إلى خروج الذبائح المجهزة.
لماذا تمت التوصية بإلغاء نشاط الذبح بالمساطب بولاية الخرطوم؟
هناك حالات عدم استيفاء عديدة للوائح نذكر أهمها:
أولاً: تحديات هشاشة البنية التحتية: تتمثل الأسباب الرئيسية في مخالفة المساطب لشروط الموقع (داخل المناطق السكنية) والمساحة (أقل من 5 أفدنة) وعدم استيفاء الشروط الفنية للمباني والمنشآت إذ أنها تفتقر للكثير من المرافق المطلوبة. على سبيل المثال لا يتوفر بالمساطب القدر الكافي من إمدادات المياه الصالحة للشرب. تشترط المواصفة توفير الكميات الدنيا التالية من المياه لكل حيوان يذبح ولك أن تتخيل أن رأس بقر واحد يحتاج لـ 1000 لتر ماء ورأس واحد من الغنم يحتاج لـ 100 لتر ماء لأغراض غسل الذبائح ونظافة الأرضيات والعاملين.
ثانياً: التحديات البيئية: مشكلة أخرى تتمثل في طريقة التخلص من الدم إذ يشترط جمع الدم الناتج عن الذبح بشكل منفصل عن مياه الصرف لتفادي التلوث، ونلاحظ تخثر الدم الطازج في المصارف حيث يتعفن مما يسبب روائح كريهة. وأيضاً مشكلة عدم السرعة في إزالة الفرث ومخلفات اللحوم وهذا ما يفسر الروائح الكريهة المنبعثة من المساطب. كذلك تعتبر مشكلة الصرف الصحي من أعقد المشاكل بالمساطب وهو ما نلاحظه في تسرب المياه العادمة خارج محيط المسطبة في بعض الأحيان. تشير الأبحاث إلى أن مخلفات الذبح غير المعالجة تؤدي إلى تلوث المياه الجوفية والسطحية بسبب مخلفات الدم والدهون والأنسجة وأضف لذلك التأثير السلبي على البيئة من خلال الروائح الكريهة، جذب الحشرات والقوارض، وتدهور جودة الهواء. باختصار تفتقر المساطب إلى أنظمة إدارة نفايات فعالة ومعايير نظافة صارمة.
ثالثاً: التحديات الصحية على الإنسان: هناك ضعف في الممارسات الصحية في المساطب بولاية الخرطوم قد تؤدي إلى مخاطر كبيرة على الصحة العامة، منها انتشار البكتيريا الممرضة مثل الإيشريشيا القولونية والسالمونيلا، إضافة إلى زيادة مقاومة المضادات الحيوية في المجتمعات السكانية المحيطة. كذلك تزداد مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه وانتشار الأمراض المعدية مثل التهابات الجهاز الهضمي (إسهال، كوليرا) والتهابات الجهاز التنفسي.
رابعاً: التحديات الشرعية: من أخطر المخالفات بالمساطب عدم توفر صندوق الذبح الذي يساعد في تقييد حركة الحيوان توطئة لذبحه، وهو إجراء يتعلق بالذبح الحلال. ولإنتاج لحوم حلال وسليمة يستخدم صندوق الذبح الدوار وفقاً لمتطلبات الشريعة الإسلامية. حالياً تستخدم مطرقة كبيرة الحجم لضرب العجول على الجمجمة في كل المساطب من أجل السيطرة عليها قبل الذبح. استخدام المطرقة للسيطرة على العجول يخالف قانون الرفق بالحيوان ورفاهه لسنة 2015م الصادر عن وزارة الثروة الحيوانية والسمكية والمعني باللحوم الحلال وبهذا “تفقد اللحوم المنتجة في المساطب صفة الحلال”. والجدير بالذكر عدم توفر هذا الشرط في مسالخ الصادر يتسبب في حرمانها من التصدير.
كذلك يتطلب الذبح الحلال توجيه الحيوان نحو القبلة مع ذكر اسم الله واستخدام سكين ذبح حادة تعقم باستمرار ولا يراها الحيوان ولا يذبح أي حيوان أمام الآخر ويترك الحيوان لفترة نزف كافية قبل بدء عملية السلخ حتى يتخلص جسم الذبيحة من الدم. فضلاً عن التزام القصاب المسلم بشروط نظافة البدن والملبس. هذه المتطلبات غير متوفرة في المساطب مما يفقد اللحم صفة الحلال.
خامساً: تحديات النظافة والتطهير: يجب تنظيف وتطهير المكان بطريقة تمنع تكاثر البكتيريا الممرضة. كذلك نظافة العمال وأياديهم وملابسهم أمر مهم كيلا يسهموا في تلوث اللحم. والتركيز بشكل خاص على غسل اليدين بعد استخدام المرحاض وبعد أي حالة تلوث في المسطبة. وهذا يتطلب وجود عدد كاف من مرافق التنظيف، وأدوات ومنظفات بالقرب من أماكن العمل مع توفر الماء الساخن. هذه المتطلبات غير متوفرة بالمساطب.
سادساً: التحديات على اقتصاديات العقارات والتجارة والترفيه في مناطق المساطب: تقع المناطق السكنية والتجارية والترفيهية في مواقع المساطب وتحت ضغط انعدام صحة البيئة وما يتبعها من روائح كريهة وتوالد الذباب كلها تؤثر على راحة السكان وتقلل من جاذبية المساكن المجاورة وانخفاض القيمة السوقية للعقارات.
ما هي الأسس القانونية التي بنيت عليها التوصية بإغلاق المساطب؟
نقول لمن يكتب معارضاً فيما صدر من توصيات بخصوص إغلاق المساطب أنت بذلك تعارض القانون الولائي الخاص بصحة اللحوم بولاية الخرطوم رقم (16) لسنة 1997م ولائحة الضوابط والمواصفات الفنية والهندسية للسلخانات بولاية الخرطوم لسنة سبتمبر 1997م، والقانون الاتحادي الخاص بتفتيش اللحوم لسنة 1974م الصادر عن وزارة الثروة الحيوانية، والقانون الاتحادي الخاص بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لسنة 2008م والمواصفات الصادرة عنها مثل المواصفة الخاصة بالمسلخ الصغير (المسطبة) الذي لا يتجاوز حجم الذبيح فيه 70 وحدة حيوانية رقم م س د ق رقم 3604/2008 ومواصفة المسلخ رقم 294/2007 ومواصفة نقل وتداول اللحوم رقم م س د ق 3909/2007 والمواصفة القياسية الخاصة بشروط ناقلات اللحوم رقم م س د ق رقم 2879 لسنة 2006م والمواصفة القياسية الخاصة باشتراطات تذكية حيوان اللحم طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وكلها تعطي الهيئة حق إصدار المواصفة والرقابة عليها وأخيراً قانون المجلس البيطري لسنة 2018م الذي يعطي المجلس حق تطوير الخدمات البيطرية وفقاً للأسس والمعايير العالمية التي تنظم تقديم الخدمات وذلك بالتنسيق مع وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية.
الخلاصة:
البيئة التي تنتج فيها اللحوم في المساطب عالية التلوث وغير مستوفية لشروط إنتاج اللحم الحلال.
التوصية بإغلاق المساطب يصب في مصلحة المواطن البسيط الذي يستهلك اللحوم الملوثة الناتجة عن هذه المساطب وليس العكس كما يدعي أصحاب الغرض.
ليس صحيحاً على الإطلاق أن إغلاق هذه المساطب سوف يؤدي إلى انعدام اللحوم في الأسواق إذ يوجد عدد كبير من المسالخ الكبيرة التي يمكن أن تغطي الحاجة وتفيض.
يجب إبقاء رسوم الذبح في المسالخ الكبيرة منخفضة لمنع الذبح غير القانوني لأن المساطب تفتقر إلى الأموال اللازمة للحفاظ على جودة العمليات.
لا يمكن تطوير المساطب في مواقعها الحالية نسبة لعدم استيفاء شروط الموقع والمساحة. والفرصة متاحة لأصحاب ومشغلي المساطب أن يستثمروا في منشآت مطابقة للمواصفات تخاطب آدمية المستهلك وتحترم عقول القراء الذين يشاهدون في الأسافير مسالخ حديثة لا تشبه مساطبنا المخلوطة بالدم والفرث والنفايات.
مناشدة: على الذين يكتبون في الشأن العام مراقبة الله فيما يكتبون ويستصحبون هم الصحة والحياة الكريمة للمواطن السوداني.

