
أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) طقس “الجرتق” السوداني ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي العالمي.
وتعكس الخطوة التقدير الدولي للغنى الثقافي للسودان وحرصه على الحفاظ على موروثه الشعبي العريق، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد.

ويُعد الجرتق من أبرز الطقوس التقليدية المرتبطة بالزواج في السودان، حيث يجمع بين الرمزية الروحية والممارسات الاجتماعية، ليعكس مزيجاً فريداً من التاريخ والثقافة الشعبية. لا يقتصر هذا الطقس على كونه احتفالاً جمالياً، بل يُنظر إليه باعتباره وسيلة لجلب الفأل الحسن والخصوبة وحماية العروسين من العين والحسد والأرواح الشريرة، ما يمنحه مكانة خاصة في الوجدان الشعبي السوداني.

تصريح وزير الثقافة والإعلام والسياحة
قال وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الاعيسر في بيان صحفي اليوم ” إن إدراج الجرتق ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي، خطوة مهمة تعكس التقدير العالمي للتراث السوداني، مؤكداً أن هذا القرار يعكس التمسك بالحفاظ على الهوية الثقافية وعادات الشعب السوداني الأصيل.
وأضاف الوزير أن هذا التكريم يمثل اعترافاً بجمال الروح السودانية وعمقها الثقافي، ويعزز دور السودان في حماية التراث الإنساني المشترك. وأشار إلى أن أهمية الحدث تتضاعف في ظل الحرب الراهنة، التي تهدد الموروث الثقافي والتراثي، وتزيد من الحاجة إلى دعم المبادرات التي تحافظ على هوية البلاد الثقافية وتوثقها للأجيال القادمة.

الجذور والمعاني الرمزية للجرتق
تعود جذور الجرتق إلى عادات قديمة قد تصل إلى الأصول الفرعونية، ما يجعله طقساً ضارباً في عمق التاريخ. فاللون الأحمر الذي يطغى على الملابس والديكور يرمز إلى بداية جديدة وحياة مليئة بالحظ والسعادة. أما الأدوات المستخدمة في الجرتق، مثل الحريرة الحمراء والهلال الذهبي والضريرة المصنوعة من الحبوب، فتمنح الطقس معاني عميقة ترتبط بالترابط والبركة والطهارة والحماية.

مكونات الطقس وتفاصيله
يشمل الجرتق مجموعة من الأدوات الرمزية، من صينية الجرتق المزينة بالعطور والرموز التقليدية، إلى البخور المصنوع من الصندل والعود، والأدوات التراثية كالسيف والسوط وسبحة المرجان وقطع جريد النخل. كما ترتدي العروس فركة القرمصيص لتغطي رأسها ووجهها، بينما يغلب اللون الأحمر على ديكور المكان.
وتبدأ مراسم الجرتق بتزيين المكان والاحتفال بوصول العروس، مروراً بوضع الضريرة على رأس العروسين وإشعال البخور، وطقوس أخرى مثل بخ اللبن، قطع الرحط، رش الحبوب، والأغاني والرقص الشعبي المصاحب بالدلوكة، لتعكس الاحتفال بالخصوبة والبركة والتفاؤل بالمستقبل.

الجرتق لوحة روحية واجتماعية
يُنظر إلى الجرتق على أنه أكثر من مجرد احتفال فردي؛ فهو مناسبة اجتماعية تعزز الترابط الأسري والمجتمعي، ويشارك فيه الأهل والجيران والأصدقاء رجالاً ونساءً على حد سواء. ومن خلال هذه الطقوس، يظل الجرتق جزءاً حياً من التراث السوداني، يجمع بين البهجة والروحانية، ويعكس فلسفة المجتمع في السعادة والحماية والتجدد.
رأي باحثة التراث السوداني
قالت الباحثة المتخصصة في التراث السوداني، د. سلوى محمد، إن إدراج الجرتق ضمن التراث العالمي يمثل اعترافاً دولياً بقيمة هذا الطقس الذي يجمع بين الرمزية الثقافية والبعد الاجتماعي، مشيرة إلى أنه يعكس تاريخ السودان العريق وقدرته على المحافظة على الموروثات الشعبية وسط التحولات الاجتماعية والسياسية، وخاصة في ظل الحرب الحالية التي تسببت في تهجير السكان وإلحاق أضرار بمواقع تراثية عديدة. وأضافت أن هذا الإدراج يمنح المجتمع السوداني دافعاً للحفاظ على طقوسه التقليدية ونقلها للأجيال الجديدة رغم الظروف الصعبة.

إن إدراج الجرتق السوداني ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي ليس مجرد اعتراف دولي، بل هو رسالة قوية عن قدرة الثقافة على الصمود في وجه الحرب والتحديات، واحتفاء بروح السودان العريقة، وجسر يربط بين الماضي والحاضر، ويضمن استمرار هذا الموروث الرائع للأجيال القادمة.

