على ضفاف النيل في العاصمة الخرطوم، جلس عبد الله علي داخل قاربه الخشبي الصغير، يمرر أصابعه ببطء بين خيوط شبكة أنهكها الزمن وطول الاستعمال، بينما كانت الشمس تميل نحو المغيب، فتنثر ألوانها البرتقالية فوق صفحة الماء الهادئة كأنها تكتب آخر رسائل النهار. ومن بعيد، كانت أصوات الباعة المتسللة من السوق القريب تمتزج بخطوات العائدين إلى الأحياء التي بدأت تسترد شيئا من أنفاسها بعد شهور طويلة من الحرب والخراب. رفع الرجل رأسه مبتسما، وقال بصوت هادئ يشبه جريان النيل: “النيل علّمنا الصبر، ومهما انكسرت الحياة يعود الناس إليه من جديد”.
عبد الله، الصياد الذي تجاوز منتصف الأربعينيات بقليل، لم يتعلم الصيد باعتباره مهنة فحسب، بل ورثه كما تُورث الحكايات القديمة والذكريات العائلية. فمنذ طفولته المبكرة، كان يجلس في مقدمة القارب إلى جوار والده، ممسكا بطرف الشبكة، يتعلم كيف تُقرأ حركة المياه، وكيف يُفهم اتجاه التيار، وأين تختبئ الأسماك في أعماق النهر. بالنسبة له، لم يكن النيل مجرد مصدر رزق، بل كان قطعة من البيت، وامتدادا للعائلة، وذاكرة مفتوحة على الطفولة والسنوات الهادئة.
لكن الحرب التي اندلعت في السودان بدّلت ملامح الحياة كلها. سكنت أجزاء واسعة من الخرطوم تحت وطأة الخوف، واختفت القوارب من المرافئ الشعبية، وأغلقت الأسواق أبوابها، فيما غادر آلاف السكان بيوتهم تحت وقع القصف ونقص الخدمات. وخلال تلك الأيام الثقيلة، اضطر عبد الله إلى الابتعاد عن النيل لأشهر طويلة، بعدما أصبح الاقتراب من ضفافه مغامرة محفوفة بالموت، وتحولت المدينة إلى مساحة من الصمت والقلق.
يقول وهو يشد حبلا قديما في جانب قاربه: “في بعض الأيام لم نكن نستطيع حتى الوصول إلى النهر، أصوات الاشتباكات كانت تأتي من كل اتجاه، والناس لم تعد تفكر إلا في النجاة وتأمين الطعام والماء”. ثم يصمت قليلا قبل أن يضيف بنبرة يغمرها الحزن: “حتى النيل نفسه بدا حزينا… بلا قوارب، بلا ضحكات، بلا أصوات صيادين”.

وفي تلك الشهور القاسية، تنقل عبد الله بين أعمال متفرقة ليؤمن قوت أسرته؛ حمل البضائع في الأسواق أحيانا، وعمل في البناء والتنظيف أحيانا أخرى، لكنه يقول إن شعورا بالغربة ظل يطارده بعيدا عن النهر. “كنت أشعر أنني أعيش حياة لا تشبهني”، يقولها وكأنه يستعيد ثقلا قديما ما زال عالقا في صدره.
ومع عودة الحياة تدريجيا إلى بعض أحياء الخرطوم، عاد عبد الله إلى قاربه العتيق الراسي قرب الضفة. وجد الشباك ممزقة، والخشب متآكلا بفعل الزمن والإهمال، لكنه أمضى أياما طويلة يصلحه بيديه، مستعينا بأصدقاء صيادين عادوا بدورهم إلى المهنة بعد شهور النزوح والتوقف. كانوا يلتقون كل صباح قرب المرسى الشعبي، يتبادلون الأخبار، ويرتقون الشباك، ويحاولون جمع ما تبقى من تفاصيل الحياة القديمة.
ويقول وهو يتأمل امتداد المياه أمامه: “حين عدت إلى النيل لأول مرة شعرت وكأنني أتنفس من جديد، الحرب أخذت منا أشياء كثيرة، لكن وجودنا هنا يجعلنا نؤمن أن الحياة ما تزال ممكنة”.
يبدأ يوم عبد الله قبل شروق الشمس بوقت طويل. يستيقظ على ضوء مصباح صغير في منزله المتواضع، يحتسي كوب شاي سريع، ثم يحمل شباكه ويتجه نحو المرسى، حيث يلتقي صيادين آخرين تجمعهم المهنة نفسها والهموم ذاتها. هناك، يدفعون قواربهم الصغيرة إلى المياه بصمت، بينما يغطي الضباب الخفيف سطح النيل في الساعات الأولى من الصباح، فتبدو القوارب كأنها ظلال تتحرك فوق صفحة حلم قديم.
يتنقل عبد الله بين مواقع الصيد التي يعرفها منذ سنوات، يراقب تغير لون المياه، وحركة التيارات، واتجاه الرياح، ويقول مبتسما إن الصياد الحقيقي يستطيع قراءة النيل كما يقرأ الناس الكتب، “المياه تتكلم معنا… لكن عليك أن تعرف كيف تفهمها”.
ورغم المشقة، ما تزال مهنة الصيد توفر له ولعشرات الأسر مصدرا أساسيا للعيش، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم والدواجن. ويشير عبد الله إلى أن الإقبال على شراء الأسماك ازداد خلال الأشهر الأخيرة، بسبب انخفاض أسعارها نسبيا مقارنة ببقية السلع، ويقول: “الناس لم تعد تسأل كثيرا عن النوع أو الحجم، المهم أن تجد ما تطعم به أطفالها”. ثم يضيف بصوت يختلط فيه التعب بالأمل: “في زمن الحرب أصبح الصيد بالنسبة لنا أكثر من مهنة… صار وسيلة للبقاء”.

ورغم أن الحياة بدأت تعود شيئا فشيئا، فإن آثار الحرب ما تزال شاخصة في كل مكان؛ مبان متصدعة، وشوارع خالية في بعض الأحياء، وخدمات لم تستعد عافيتها بعد. لكن عبد الله يرى في عودة القوارب إلى النيل ما هو أبعد من مجرد استئناف للعمل، فبالنسبة له، تمثل القوارب العائدة علامة على أن الخرطوم تحاول الوقوف مجددا فوق جراحها.
وفي سوق الموردة للأسماك بمدينة أم درمان، كانت الحياة تتسلل ببطء إلى المكان الذي ظل لوقت طويل غارقا في الصمت وآثار الحرب. عند المدخل الضيق للسوق، اختلطت نداءات الباعة بأصوات الزبائن، وتصاعدت رائحة النيل الطازجة بين الطاولات الخشبية التي امتلأت مجددا بأنواع الأسماك المختلفة، وكأن السوق يحاول أن يستعيد صورته القديمة بعد سنوات الركود.
داخل متجر صغير، كان عباس محمد إدريس ينحني فوق طاولة خشبية يرتب بعناية أسماك البلطي والبياض، بينما تتساقط قطرات الماء من بين أصابعه على الأرض المبتلة. وبين لحظة وأخرى، يرفع رأسه ليجيب عن سؤال زبون أو ليتبادل التحية مع بائع مجاور عاد هو الآخر بعد غياب طويل.
يقول عباس، وهو رجل خمسيني قضى معظم عمره في تجارة الأسماك: “كان هذا السوق يوما من أكثر الأماكن ازدحاما في أم درمان، الصيادون يأتون منذ الفجر، والناس تتدفق من كل مكان، لكن الحرب أوقفت كل شيء”. ثم يتنهد قبل أن يضيف: “لنحو ثلاثة أعوام لم يكن الوصول إلى السوق ممكنا، الطرق غير آمنة، والحركة شبه متوقفة، وكثير من التجار والصيادين تركوا المهنة تماما”.
ويشير بيده إلى السوق الذي بدأت الحركة تدب فيه قائلا إن عودة النشاط، حتى وإن جاءت بطيئة، أعادت شيئا من الأمل للعاملين في هذا القطاع. “حين فتحت متجري مجددا شعرت وكأنني أبدأ حياتي من جديد”، يقول مبتسما، “هذا المكان ليس مجرد سوق… إنه مصدر رزق لعشرات الأسر التي عاشت سنوات بالغة القسوة”.
ويشرح عباس أن تجارة الأسماك تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى ملاذ لكثير من الأسر التي لم تعد قادرة على شراء اللحوم الحمراء بعد ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة. وبينما يواصل ترتيب الأسماك فوق قطع الثلج الصغيرة، يقول: “الناس تبحث الآن عن أي غذاء بسعر معقول، ولذلك أصبح الإقبال على السمك أكبر من السابق”.
ثم يبدأ في شرح أسعار الأنواع الأكثر طلبا، مشيرا إلى أسماك البلطي ذات اللون الفضي اللامع قائلا: “البلطي هو الأكثر انتشارا لأنه مناسب لمعظم الأسر، وسعره حاليا نحو 8 آلاف جنيه”. وبعدها يرفع واحدة من أسماك البياض الكبيرة موضحا أن سعرها يصل إلى نحو 15 ألف جنيه بسبب جودتها وطعمها المفضل لدى كثير من الزبائن. أما سمك العجل، وهو الأكبر حجما والأغلى ثمنا، فيبلغ سعره نحو 20 ألف جنيه، لكنه رغم ذلك يظل أقل تكلفة من اللحوم الحمراء. 
تاجر يستعرض بضاعته من الأسماك
ورغم عودة الحركة إلى السوق، لا يخفي عباس حجم التحديات التي ما تزال قائمة؛ فالكهرباء غير مستقرة، وحفظ الأسماك أصبح أكثر صعوبة، كما أن نقل البضائع من مناطق الصيد إلى الأسواق يواجه عقبات عديدة بسبب تدهور الطرق وارتفاع تكاليف الوقود. ومع ذلك، يؤكد أن مجرد عودة السوق للعمل تمنح العاملين فيه شعورا بأن الخرطوم وأم درمان بدأتا تستعيدان شيئا من روحهما القديمة.
وفي أحد أركان السوق، كان المواطن محمد علي نور يتنقل ببطء بين الطاولات المزدحمة بالأسماك الطازجة، ممسكا بكيس صغير اشترى فيه بعض أسماك البلطي لعائلته. وعلى وجهه ارتسمت ملامح دهشة ممزوجة بالارتياح، كأنه يستعيد صورة قديمة غابت طويلا.
يقول محمد علي إن مجرد عودة سوق الموردة إلى العمل بهذا الشكل بعد سنوات الحرب يمنح السكان إحساسا بأن المدينة بدأت تستعيد عافيتها تدريجيا. “خلال الحرب كانت أم درمان والخرطوم تبدوان وكأن الحياة توقفت تماما”، يقول وهو يشير إلى حركة الناس من حوله، “الأسواق أغلقت، والناس خافت من التنقل، وحتى الأماكن الشعبية فقدت روحها المعتادة”.
ويضيف: “عودة هذا السوق واحدة من علامات التعافي في الخرطوم، فبعد ثلاث سنوات يعود سوق الموردة للأسماك إلى الحياة، وهناك استقرار وتحسن أمني”. ثم يصمت قليلا قبل أن يكمل: “حين ترى الناس تتجول بحرية، وتشاهد الباعة يعودون إلى أماكنهم القديمة، تشعر أن المدينة تحاول استعادة روحها من جديد”.
ويؤكد محمد علي أن سوق الموردة لم يكن مجرد مكان لشراء الأسماك، بل واحدا من المعالم الشعبية الراسخة في ذاكرة سكان أم درمان. ويتذكر كيف كان يأتي إليه مع والده منذ طفولته، حين كانت الضفة القريبة تضج بالقوارب وروائح الشواء وأصوات الباعة الممتدة حتى المساء. “هذا المكان يحمل ذكريات أجيال كاملة”، يقول بابتسامة هادئة، “ولذلك فإن عودته تعني لنا أكثر من مجرد تجارة”.
وكانت الخرطوم قد ظلت لنحو عامين مسرحا لمواجهات دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية وتعطل الخدمات ونزوح أعداد كبيرة من السكان. كما أصابت الحرب الحركة التجارية والاقتصادية بشلل شبه كامل في أجزاء واسعة من المدينة، بما في ذلك الأسواق الشعبية والمرافئ النهرية المرتبطة بمهنة صيد الأسماك.
ومنذ مايو 2025، تمكن الجيش من إنهاء وجود قوات الدعم السريع داخل الخرطوم، الأمر الذي مهد لعودة تدريجية للسكان والأنشطة التجارية والخدمية، قبل أن تعود الحكومة المركزية رسميا إلى المدينة في يناير 2026.

ويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية الدكتور مأمون الطيب أن عودة النشاط إلى قطاع صيد الأسماك والأسواق الشعبية المرتبطة به تحمل دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تعكس قدرة المجتمع السوداني على التكيف مع آثار الحرب ومحاولة استعادة تفاصيل الحياة اليومية رغم حجم الدمار.
ويقول إن المهن التقليدية المرتبطة بالنيل، مثل الصيد والنقل النهري والتجارة الشعبية، لعبت عبر التاريخ دورا مهما في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير الغذاء لشرائح واسعة من السكان، خاصة في أوقات الأزمات، مضيفا: “خلال الحروب غالبا ما تعود المجتمعات إلى الأنشطة الأقل تكلفة والأكثر ارتباطا بالموارد المحلية، ولذلك شهدنا عودة كثير من السكان إلى المهن التقليدية باعتبارها وسيلة للبقاء والتأقلم”.
ويشير الدكتور مأمون إلى أن عودة الحركة إلى أسواق مثل سوق الموردة تعكس أيضا تحسنا نسبيا في البيئة الأمنية والخدمية، حتى وإن ظلت التحديات الاقتصادية كبيرة، ويقول: “حين تعود الأسواق الشعبية للعمل، وتتحرك القوارب مجددا في النيل، فهذا يعني أن الناس بدأت تستعيد ثقتها بإمكانية العودة إلى حياتها الطبيعية”.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار هذا التعافي يظل مرهونا بتحسن الأوضاع الأمنية واستقرار الخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء والوقود ووسائل النقل، إضافة إلى دعم صغار الصيادين والتجار الذين تضرروا بشدة خلال سنوات الحرب. ويوضح أن كثيرا من العاملين في هذا القطاع فقدوا قواربهم أو معداتهم، بينما اضطر آخرون إلى استنزاف مدخراتهم للبقاء خلال سنوات النزاع.
ويضيف: “القدرة على الصمود موجودة لدى الناس، لكن إعادة بناء الحياة الاقتصادية تحتاج إلى استقرار حقيقي وسياسات تدعم الفئات التي تعتمد على الأعمال الصغيرة والمهن التقليدية”.
وقبل أن يغادر النيل في نهاية يومه الطويل، أعاد عبد الله ترتيب شباكه داخل قاربه الخشبي الصغير، ثم جلس صامتا للحظات يتأمل المياه التي انعكست فوقها أضواء المساء الخافتة. كانت حركة القوارب تهدأ تدريجيا، فيما أخذت أصوات السوق البعيدة تتلاشى مع اقتراب الليل.
وبالنسبة لعبد الله، لم تكن رحلة الصيد مجرد يوم عمل عابر، بل محاولة هادئة لاستعادة جزء من الروح التي فقدتها الخرطوم خلال سنوات الحرب… ومحاولة لأن يعود النيل مرة أخرى شاهدا على حياة لا تنكسر.

