تقارير وتحقيقات

موسم “حش التمر”… حين تعود الحياة إلى ظلال النخيل في شمال السودان

راصدون / خاص

كتبه: فائز الفكى

مع أول خيط من ضوء الصباح، كانت قرية الباجا، التابعة لمحلية الدبة في الولاية الشمالية، تستيقظ على إيقاع مختلف.

من بين البيوت، تتجه خطوات الرجال والنساء نحو البساتين، وتتحرك العربات في الطرق الترابية، فيما يقف العمال تحت أشجار النخيل يتهيأون ليوم طويل. هناك، في الأعلى، تنتظر العذوق أيدي القفّافين، وفي الأسفل تمتد الأرض لاستقبال ما يسقط من ثمار.

مواطنون يفرزون التمر
مواطنون يفرزون التمر

لم تكن القرية تستقبل صباحاً زراعياً عادياً. كان ذلك موعداً مع موسم “حش التمر” كما يسميه أهل المنطقة؛ موسم تتبدل خلاله حركة القرية، وتزدحم فيه البساتين بالأيدي والأصوات، وتعود فيه إلى الذاكرة مواسم قديمة ارتبطت بالنخلة كما ارتبطت النخلة بحياة الناس.

في قلب أحد البساتين، كان سالم بلال، 50 عاماً، يربط أدواته حول جسده استعداداً للصعود.

أمسك بجذع النخلة، وبدأ رحلة صعود تبدو طويلة لمن يقف على الأرض، لكنها بالنسبة إليه حركة مألوفة تعلمها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

كل خطوة إلى الأعلى تحمل معها سنوات من الخبرة.

يصل بلال إلى العذوق، يتحرك بينها بحذر، ثم يبدأ في قطعها وإنزالها إلى الأرض. وفي الأسفل، تنتظر أيدٍ أخرى. يلتقط العمال العذوق، يجمعون الثمار، ويفرزون ما يصلح للتجفيف والتخزين، بينما تتشكل أمامهم أكوام من البلح ستغادر المزرعة لاحقاً إلى المنازل والأسواق.

القفّاف يتسلق شجرة النخيل
القفّاف يتسلق شجرة النخيل

هكذا تبدأ رحلة الثمرة.

من أعلى النخلة، إلى الأرض، ثم إلى أيدي العمال، فإلى أماكن التجفيف والتخزين، وبعدها إلى التاجر والسوق والمستهلك.

لكن رحلة البلح ليست مجرد مسار اقتصادي.

ففي شمال السودان، تبدو النخلة جزءاً من ذاكرة المكان بقدر ما هي جزء من اقتصاده.

ثلاثون عاماً فوق جذوع النخيل

يقول سالم بلال إنه يستطيع حصاد أكثر من 50 نخلة في اليوم، رغم أن المهنة لم تعد سهلة كما كانت في سنواته الأولى.

ويعمل القفّاف مقابل حصة من المحصول تبلغ نحو السبع، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الحياة وتغيرت ظروف العمل.

لكن المهنة التي رافقت بلال لأكثر من 30 عاماً لم تتوقف عنده.

اثنان من أبنائه يعملان أيضاً في تسلق النخيل.

وبينما ينظر بلال إلى جذوع النخيل التي صعدها آلاف المرات، يبدو الأمر وكأنه انتقال صامت للخبرة من جيل إلى آخر؛ يدٌ تعلم يدًا أخرى كيف تمسك بالجذع، وكيف تصل إلى العذق، وكيف تنزل سالمة من أعلى شجرة قد يتجاوز ارتفاعها عدة أمتار.

وراء هذه الحركة اليومية تختبئ شبكة واسعة من العمل.

فموسم البلح يوفر دخلاً للقفّافين والعمال، ويحرك وسائل النقل، ويفتح مجالاً للتجارة، ويمنح الأسر دخلاً تحتاج إليه في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

لكن كل ذلك يبدأ من صاحب المزرعة.

مواطنان يقومان بجمع التمر
مواطنان يقومان بجمع التمر

400 نخلة وحسابات لا تظهر على الأرض

في مزرعة أخرى، كان عوض صالح يتابع حصاد أكثر من 400 نخلة.

يتوقع صالح أن تنتج مزرعته هذا الموسم ما بين 500 و600 جوال من البلح، يزن الواحد منها نحو 100 كيلوغرام.

وبسعر يبلغ نحو 100 ألف جنيه سوداني للجوال، قد تبدو الأرقام، للوهلة الأولى، كبيرة.

لكن الحساب الذي يجريه المزارع لا يبدأ بسعر البيع ولا ينتهي عنده.

فالدولار الواحد يعادل، وفق السعر الرسمي الذي يستند إليه صالح في حساباته، نحو 4,700 جنيه سوداني، أي أن قيمة الجوال تبلغ نحو 21 دولاراً بالسعر الرسمي. أما وفق سعر الصرف في السوق الموازية، البالغ نحو 8,000 جنيه للدولار، فإن قيمته تعادل نحو 12.5 دولار.

غير أن هذه المقارنة لا تعكس ما يبقى فعلياً للمزارع.

فالوقود والكهرباء والعمالة وخدمة النخيل والحصاد والنقل تلتهم جزءاً كبيراً من الإيرادات قبل أن يصل المال إلى يد صاحب المزرعة.

يقول صالح:

«لقد ارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، مع زيادة أسعار الوقود وعدم توفر الكهرباء بصورة كافية، فضلاً عن تكاليف خدمة النخيل والحصاد والنقل، ولذلك فإن إنتاج المزرعة المتوقع لن يغطي جميع تكاليف الموسم».

في البستان تبدو الثمار وفيرة.

لكن الوفرة على الأشجار لا تعني بالضرورة وفرة في جيب المزارع.

فكل عذق يحتاج إلى يد تصعد، وعامل ينقل، ووسيلة نقل تحمل، ومكان يجفف ويخزن، وتاجر يشتري، وسوق يستقبل.

ومع كل خطوة تضاف كلفة جديدة.

عملية فرز وجمع التمر
عملية فرز وجمع التمر

الحرب غيّرت طريق الثمرة

قبل الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023، كان جزء من إنتاج المنطقة يشق طريقه إلى أسواق في غرب البلاد.

لكن الحرب أعادت رسم طرق التجارة.

يقول صالح إن إغلاق الطرق وتغير حركة النقل جعلا تسويق البلح أكثر اعتماداً على الأسواق داخل الولاية الشمالية.

ولم يتوقف الأمر عند تغيير وجهة البيع.

فالطرق الأطول والأكثر صعوبة ترفع تكلفة النقل، وارتفاع أسعار الوقود يزيد تكلفة كل رحلة، كما أن حركة العمال والأسواق نفسها تأثرت بسنوات الحرب.

ومع ذلك، بقيت النخلة واقفة.

تثمر في موعدها تقريباً، وتحتاج إلى من يخدمها في موعده أيضاً.

ولهذا أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر مورداً مهماً في وقت تعطلت فيه مصادر أخرى للدخل أو تراجعت.

لكن للحرب وجه آخر يظهر بوضوح في موسم الحصاد.

فبعد أن فرقت الناس وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، تأتي مواسم الزراعة لتعيد بعضهم، ولو مؤقتاً، إلى القرى التي غادروها.

مواطن يقوم بجمع التمر
مواطن يقوم بجمع التمر

حين تجمع النخلة من فرقتهم الحرب

في الباجا، لا تبدو المزرعة مكاناً للعمل فقط.

إنها مساحة للقاء.

يتجمع أصحاب النخيل والعمال وأفراد الأسر، ويتبادل الناس الأحاديث، بينما تتحرك الأيدي بين العذوق وأكوام البلح.

عاد سعيد جاد الله إلى القرية للمشاركة في موسم الحصاد.

وجد نفسه وسط النخيل، وبين وجوه يعرفها، وفي مشهد يعيد إلى الحياة شيئاً من إيقاع القرية القديم.

يقول جاد الله:

«إن الحرب فرقت الأسر وأجبرت أعداداً كبيرة من السودانيين على النزوح، بينما أعادت مواسم الزراعة بعضهم، ولو بصورة مؤقتة، إلى قراهم وأراضيهم».

ويضيف:

«في موسم البلح تحديداً، يصبح البستان نقطة التقاء بين من بقوا في القرية ومن عادوا إليها، وبين أصحاب النخيل والعمال وأفراد الأسر. فبعد أن فرقت الحرب الناس، تجمعهم النخلة من جديد».

ولذلك لا يصف أهل المنطقة موسم حصاد البلح بأنه موسم زراعي فحسب.

في بعض مناطق شمال السودان يسمى الموسم “عيد الشمال”.

والسبب لا يحتاج إلى شرح طويل.

فمع بداية الحصاد تتغير القرية.

تزداد حركة الناس، تتحرك الأسر بين المنازل والبساتين، يرتفع الطلب على العمال، تنشط وسائل النقل، ويبدأ التجار في البحث عن المحصول.

وفي ظلال النخيل، تمتد ساعات العمل، لكنها تتحول أيضاً إلى ساعات للحديث والضحك واستعادة ذكريات مواسم مضت.

موسم للرزق.. وموسم للعودة

ربما لهذا السبب يبدو موسم البلح مختلفاً هذا العام.

فالقرية لا تحتفل بمحصولها فقط، وإنما تستعيد شيئاً من نفسها.

الحرب جعلت العودة إلى القرية أمراً صعباً بالنسبة إلى كثيرين، لكن موسم الحصاد يمنح بعضهم سبباً للعودة.

قد تكون العودة لأيام أو أسابيع، وقد تكون مرتبطة بمزرعة أو موسم عمل، لكنها تعيد الحركة إلى البيوت والبساتين.

يقول جاد الله إن موسم الحصاد يعيد للأسر فرصة الاجتماع، ويمنح القرية شيئاً من حياتها الاجتماعية التي تراجعت خلال سنوات الحرب.

وهنا تتحول النخلة من شجرة إلى نقطة التقاء.

تحتها يتقاطع اقتصاد القرية مع ذاكرتها.

جيل من الشباب يشارك مراسم حش التمر
جيل من الشباب يشارك مراسم حش التمر

جيل جديد يصعد النخيل

وبينما يتحرك بلال بين العذوق، يظهر جيل آخر في الأسفل.

شباب يشاركون في الجمع والنقل والفرز، وبعضهم يصعد النخيل كما فعل آباؤهم.

وجود اثنين من أبناء بلال في مهنة القفّاف ليس مجرد تفصيل عائلي.

إنه صورة صغيرة لاستمرار مهنة قديمة تعتمد على مهارة لا يمكن تعلمها من كتاب، وإنما تنتقل من يد إلى أخرى، ومن أب إلى ابن، ومن موسم إلى موسم.

لكن استمرار هذه المهنة مرتبط أيضاً بقدرة المزارع على الاستمرار.

فالنخيل يحتاج إلى المياه والكهرباء والوقود والعمالة، والمزارع يحتاج إلى سوق يستطيع من خلاله استرداد ما أنفقه وتحقيق عائد يسمح له ببدء موسم جديد.

لهذا، فإن ارتفاع تكلفة الإنتاج لا يهدد ربح الموسم الحالي فقط، بل يضغط أيضاً على قدرة المزارع على مواصلة الزراعة في المستقبل.

تعبئة التمر بعد حصاده
تعبئة التمر بعد حصاده

من النخلة إلى السوق

مع تقدم النهار، تزداد أكوام البلح على الأرض.

العذوق التي كانت معلقة قبل ساعات أصبحت الآن في طريقها إلى مرحلة جديدة.

تبدأ عملية الفرز.

ثم التجفيف والتخزين.

بعدها تأتي التجارة والنقل والأسواق.

وفي كل محطة، تتحرك أيدٍ جديدة.

القفّاف يحصل على أجره، والعامل يجد فرصة موسمية، ووسيلة النقل تتحرك، والتاجر يشتري، والأسواق تستقبل محصولاً جديداً.

وهكذا يصبح موسم الحصاد اقتصاداً قائماً بذاته، حتى وإن لم تظهر كل حلقاته في صورة واحدة.

ومع اقتراب الشمس من الغروب، لم يكن العمل قد انتهى.

بقيت بعض العذوق في أعلى الأشجار، فيما تراكمت أخرى على الأرض، وواصل العمال جمع الثمار ونقلها.

في تلك اللحظة، تبدو المسافة بين أعلى النخلة والأرض قصيرة.

لكنها تختصر مسافة أطول بكثير؛ مسافة تمتد من ذاكرة الأجداد إلى أيدي الجيل الجديد، ومن المزرعة إلى السوق، ومن الرزق إلى الحياة الاجتماعية.

في الباجا، لا تسقط العذوق من النخيل وحدها.

يسقط معها شيء من تعب الموسم، وتبدأ في الوقت نفسه رحلة أخرى للثمرة، خارج البستان.

أما القرية، فتستعيد خلال أسابيع قليلة أصواتاً غابت عنها طويلاً: أصوات العمال، وحركة العربات، وحديث الأسر، وخطوات العائدين.

وبينما يحاول المزارع حساب ما أنفقه وما سيبيعه، يحاول أهل القرية حساب شيء آخر أقل وضوحاً:

كم تبقى لهم من حياتهم القديمة؟

ربما لا تقدم النخلة جواباً.

لكنها، في موسم “حش البلح”، تجمع الناس تحت ظلالها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى