
كشفت مصادر دبلوماسية عن ملامح مقترح أمريكي متكامل قُدم إلى الأطراف السودانية في إطار جهود الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، الإمارات)، بهدف وضع حد للحرب المستمرة منذ أكثر من عام، وتهيئة البلاد لانتقال سياسي يقوده المدنيون. ويستند المقترح إلى ثلاثة مسارات رئيسية: عسكري، سياسي، وإنساني، في إطار خارطة طريق تهدف لمعالجة جذور الأزمة وبناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.

المسار العسكري: وقف النار والإصلاح الهيكلي للأجهزة الأمنية
يتضمن المسار العسكري وقفًا شاملًا لإطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع إنشاء لجنة دولية للإشراف على الالتزام بالاتفاق، وتطبيق آليات مراقبة ميدانية مدعومة بتقنيات حديثة وتنسيق دولي.
ويطرح المقترح إصلاحات واسعة في المؤسسة العسكرية، تشمل:
• إبعاد العناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين من الجيش والأجهزة الأمنية.
• دمج بعض القوات غير النظامية وتسريح الميليشيات تدريجيًا تحت إشراف دولي.
• وضع أسس لجيش مهني موحد يخضع لسلطة مدنية انتقالية، ويعمل وفق عقيدة وطنية ومؤسسية.

موقف الجيش السوداني:
الجيش أبدى، بحسب مصادر قريبة من المفاوضات، استعدادًا مبدئيًا لمناقشة وقف إطلاق النار شريطة أن يضمن المقترح تفكيك قوات الدعم السريع ونزع سلاحها، ودمج العناصر غير المتورطة في الانتهاكات وفق ضوابط صارمة. كما يشدد الجيش على ضرورة الحفاظ على وحدة وهيبة المؤسسة العسكرية ورفض أي مساس بقيادتها التقليدية.

موقف قوات الدعم السريع:
ترى قوات الدعم السريع أن أي عملية أمنية أو عسكرية يجب أن تضمن إعادة هيكلة كامل القطاع الأمني، بما يشمل الجيش نفسه، وتطالب بضمانات دولية تبعد المؤسسة العسكرية من الهيمنة على المرحلة الانتقالية. كما تشترط أن يتم دمج القوات تحت إشراف مدني وبمرحلية واضحة، وبما يحفظ تمثيلها في الجيش الجديد.
المسار السياسي: انتقال مدني واستبعاد رموز النظام السابق
يركز المسار السياسي على إطلاق عملية حوار شامل تقوده القوى المدنية السودانية، بعيدًا عن أطراف النظام السابق. ويدعم المقترح تشكيل سلطة انتقالية مدنية تتولى:
• إدارة المرحلة القادمة.
• إصلاح مؤسسات الدولة.
• وضع الأسس الدستورية للانتقال الديمقراطي.
• التحضير لانتخابات حرة تحت رقابة دولية.
وتعتبر واشنطن أن المسار السياسي يجب أن يسير بالتزامن مع الترتيبات العسكرية لضمان عدم انهيار الاتفاق، وترسيخ أسس سلام دائم.
المسار الإنساني: هدنة عاجلة وفتح الممرات الإغاثية
يشمل المسار الإنساني إعلان هدنة إنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة، تلتزم بها جميع الأطراف من أجل:
• فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات.
• استئناف الخدمات الصحية والتعليمية.
• ضمان عودة جزئية للنازحين والمهجرين إلى مناطق أكثر أمنًا.
• توفير دعم عاجل للمتضررين من الحرب، وخاصة في الخرطوم ودارفور وكردفان.
خارطة الطريق: معالجة متزامنة ومتدرجة للأزمة
ترى الإدارة الأمريكية أن نجاح المقترح يتطلب تنسيقًا متزامنًا بين المسارات الثلاثة، بحيث لا ينفصل وقف إطلاق النار عن المسار السياسي، ولا يتم أي إصلاح عسكري بمعزل عن معالجة الأوضاع الإنسانية.
وتتضمن خارطة الطريق:
1. وقف إطلاق نار مراقب دوليًا وفتح ممرات إنسانية.
2. إطلاق عملية سياسية مدنية في عاصمة محايدة بضمان دولي.
3. بدء عملية إصلاح أمني وعسكري تدريجية تؤدي إلى جيش موحد.
4. إنشاء سلطة انتقالية مدنية تدير البلاد وتعد للانتخابات.
تحديات التطبيق
رغم الارتياح الدولي للمقترح، تواجه خارطة الطريق تحديات، أبرزها:
• انعدام الثقة بين الجيش والدعم السريع.
• تباين الرؤى حول مستقبل القوات شبه العسكرية.
• قلق بعض القوى المدنية من عودة تأثير النظام السابق.
• الخشية من تدويل الأزمة إذا طالت المفاوضات أو فشل الاتفاق.
الخلاصة
يشكل المقترح الأمريكي محاولة متوازنة لإعادة هندسة الوضع السياسي والعسكري والإنساني في السودان. ورغم تعقيدات الميدان وتشابك المصالح، يرى مراقبون أن نجاح المبادرة يعتمد على توفير ضمانات دولية قوية، وإشراك قوى مدنية مؤثرة، إلى جانب استعداد الطرفين العسكريين للقبول بتسوية تحفظ للجيش دوره السيادي، وتعيد دمج الدعم السريع ضمن إطار دولة مدنية مستقرة.

