
في مشهد طغت عليه الدموع والابتسامات معاً، استقبل مطار بورتسودان الدولي شرقي السودان، اليوم الجمعة، أول فوج من اللاجئين السودانيين العائدين طوعاً من أوغندا، بعد نحو ثلاث سنوات من اللجوء الذي فرضته ظروف الحرب.
وهبطت في وقت مبكر من صباح اليوم طائرة تابعة لشركة تاركو للطيران، وعلى متنها 150 عائداً، غالبيتهم من العاصمة الخرطوم، حيث من المقرر أن يواصلوا رحلتهم براً عبر حافلات سفرية إلى وجهاتهم النهائية.

مشاعر متدفقة في صالة الوصول
تحولت صالة الوصول إلى مساحة مفتوحة للمشاعر المتباينة؛ تعالت التكبيرات وأصوات الترحيب، فيما انحنى بعض العائدين لتقبيل أرض الوطن، واحتضنت أسر بعضها البعض لدقائق طويلة، في محاولة لتعويض سنوات الغياب بلحظة وصول واحدة.
وكان حمودة إبراهيم، أحد العائدين ضمن الرحلة الأولى، يمسح دموعه وهو يتجه بخطوات متثاقلة نحو بوابة الوصول. وقال لـ«راصدون» إنهم غادروا السودان بسبب الحرب ولجأوا إلى أوغندا، حيث مكثوا ثلاث سنوات عانوا خلالها، خاصة في مجالي التعليم والحياة العامة.
وأضاف: “نعود اليوم بإرادتنا بعد أن استقرت بلادنا وأصبحت أكثر أمناً، ونريد أن نكون جزءاً من عمليات التنمية وإعادة الإعمار”. وأشار إلى أن الغربة لم تكن سهلة، وأن أبناءه كانوا يسألونه باستمرار عن موعد العودة إلى منزلهم ومدرستهم وأصدقائهم، دون أن يمتلك إجابة واضحة.
وتابع قائلاً: “تحملنا ضيق المعيشة وصعوبة الاندماج، لكن الأمل في العودة لم يفارقنا. اليوم أشعر وكأنني وُلدت من جديد”.

“الوطن هو الخيار الذي لا بديل عنه”
في باحة المطار، اصطف العائدون في انتظار الحافلات، وبين حقائب متواضعة وأطفال يتشبثون بأيدي ذويهم، بدت العودة بداية اختبار جديد لإعادة بناء الحياة، لا نهاية للمعاناة.
وقالت نفيسة حسن، وهي تمسح على رأس ابنتها الصغيرة: “بعد سنوات اللجوء، نعود لأن الوطن هو الخيار الذي لا بديل عنه، ونأمل أن تكون هذه العودة بداية للاستقرار والتعافي”.
وأضافت أن ابنتها كبرت في الغربة، وكانت تسمع كثيراً عن بيتهم في الخرطوم دون أن تتذكره جيداً. “كنت أعدها دائماً بأننا سنعود يوماً، وأنها ستلعب في الحي الذي وُلدت فيه”، مضيفة أن أصعب ما في اللجوء كان الشعور الدائم بأنهم بلا جذور، وأن العودة اليوم تمثل استعادة لجزء من الروح.
برنامج العودة الطوعية
وأشرفت على تنظيم الرحلة الأولى اللجنة العليا للعودة الطوعية للاجئين السودانيين من أوغندا، وهي لجنة غير حكومية.
وقال رئيسها اللواء شرطة (معاش) عبد الكريم يوسف يعقوب إن عدد السودانيين المسجلين رسمياً كلاجئين في أوغندا يبلغ نحو 93 ألف لاجئ، موضحاً أن “غالبيتهم أبدوا رغبة واضحة في العودة إلى ديارهم”.
وأضاف أن الرحلة التي سيرتها شركة تاركو للطيران تُعد باكورة برنامج العودة الطوعية، وستتبعها رحلات أخرى وفقاً للترتيبات الجارية.
من جهته، أوضح السفير أونور أحمد، مدير القنصليات بوزارة الخارجية السودانية، أن استقبال الفوج الأول يأتي ضمن جهود الحكومة لتنفيذ مشروع العودة الطوعية بعد استعادة مدن رئيسية، لا سيما الخرطوم وود مدني وسنار، بالتزامن مع عودة النازحين داخلياً إلى مناطقهم.
وأشار إلى وجود عودة منتظمة من عدة دول، خاصة دول الجوار، لافتاً إلى أن غالبية العائدين سيتوجهون إلى الخرطوم.
كما دعا منظمات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى تعزيز الدعم المقدم لبرامج العودة الطوعية، مؤكداً أن نجاح المشروع مرهون بتضافر الجهود وتوفير الموارد اللازمة.

أرقام وتحذيرات دولية
وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت في 29 يناير الماضي عودة أكثر من ثلاثة ملايين شخص إلى مناطقهم الأصلية داخل السودان، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمساكن والخدمات والبنية التحتية، داعية إلى تمويل مستدام لتلبية الاحتياجات المتزايدة في مناطق العودة.
وحذرت المديرة العامة للمنظمة، إيمي بوب، من أن العودة إلى الديار لا تعني بالضرورة العودة إلى الأمان أو الاستقرار، مشيرة إلى أن كثيراً من الأسر تجد منازلها مدمرة وخدماتها محدودة، وأن غياب الدعم المستدام قد يحول العودة إلى فصل جديد من المعاناة.
ووفق بيانات المنظمة، سُجل أكبر عدد من العائدين في ولاية الخرطوم بأكثر من 1.3 مليون شخص، تليها ولاية الجزيرة. ويشكل العائدون من النزوح الداخلي نحو 83 في المائة من إجمالي العائدين، مقابل 17 في المائة عادوا من دول مجاورة، من بينها مصر وجنوب السودان وليبيا ودول الخليج.
ولا يزال السودان يمثل إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم مع اقتراب الصراع من عامه الثالث، إذ يعيش أكثر من نصف النازحين في مناطق حضرية، ما يضاعف الضغط على الخدمات الأساسية والمجتمعات المضيفة.
ومع استعادة الجيش السوداني السيطرة على مناطق واسعة في وسط البلاد، بما في ذلك ولاية الجزيرة والعاصمة الخرطوم، تزايدت أعداد العائدين خلال الأشهر الماضية، مدفوعين بتحسن نسبي في الأوضاع الأمنية، فضلاً عن البحث عن فرص العمل ولمّ شمل الأسر.
ويخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ منتصف أبريل 2023، حرباً أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت في نزوح ملايين الأشخاص داخل السودان وخارجه، فيما تمثل رحلة العودة الطوعية الحالية خطوة أولى في مسار طويل لإعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.

