التأمين الصحي.. هل تعود الخرطوم إلى البيت القومي؟
رصد حر بقلم : سمية عبد النبي

لم تكن ولاية الخرطوم، ذات الثقل السياسي والكثافة السكانية، ضمن منظومة الصندوق القومي للتأمين الصحي، إذ ظلت تتمتع بهيئة تأمين صحي مستقلة عن الصندوق، إلى جانب مؤسسات التأمين الطبي الخاص. لكن اندلاع الحرب في أبريل 2023 أحدث واقعاً مختلفاً، بعدما طالت تداعياتها القطاع الصحي، وخرجت أعداد كبيرة من المؤسسات والمرافق الصحية عن الخدمة، لتصبح الخرطوم من أكثر الولايات تضرراً.
ومع موجات النزوح التي دفعت سكان الولاية إلى الولايات الآمنة، برز الصندوق القومي للتأمين الصحي في مشهد التكافل والمسؤولية الاجتماعية، فاتحاً أبواب خدماته أمام النازحين، ومقدماً لهم الرعاية الطبية والتشخيصية والعلاجية والدوائية، داخل السودان وخارجه، دون تمييز بين مواطني الولايات المستضيفة والوافدين إليها.
ولم يقتصر هذا الدور على مواطني الخرطوم، بل امتد ليشمل النازحين من ولايات دارفور الخمس وغرب وجنوب كردفان، إلى جانب المتأثرين بالحرب في المعسكرات ومراكز الإيواء. وهي تجربة طرحت تساؤلات مهمة حول قدرة الصندوق على استيعاب أعداد كبيرة من طالبي الخدمة، وتوسيع مظلة الحماية الصحية في ظل ظروف استثنائية وموارد محدودة.
لقد جسّد الصندوق، خلال سنوات الحرب، نموذجاً للتكافل وتقاسم المخاطر، وظل حاضراً في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الصحية والتأمينية على تقديم خدماتها، فيما تعرض سوق التأمين الطبي الخاص لانكماش واسع، وخرجت مؤسسات عديدة عن الخدمة.
وفي المقابل، ظلت هيئة التأمين الصحي بولاية الخرطوم تعمل ضمن كيان مستقل، رغم التحولات الكبيرة التي فرضتها الحرب، وما أفرزته من تحديات تتطلب إعادة النظر في ترتيبات تقديم الخدمات الصحية والتأمينية بالولاية.
ومن هنا تبرز أهمية اجتماع مجلس إدارة هيئة التأمين الصحي بالولاية، وما يطرحه من فرصة لمراجعة مستقبل منظومة التأمين الصحي في الخرطوم، خاصة في ظل صعوبة استعادة سوق التأمين الطبي الخاص لدوره السابق، والحاجة المتزايدة إلى مظلة تأمينية قادرة على توفير الخدمات للمواطنين، في وقت لا تعرف فيه الأمراض والاحتياجات الصحية الانتظار.
إن عودة الخرطوم إلى مظلة الصندوق القومي للتأمين الصحي لم تعد مجرد مسألة إدارية أو تنظيمية، بل أصبحت قضية ترتبط بمستقبل الحماية الصحية، واستدامة الخدمات، وتوسيع فرص حصول المواطنين عليها، في ظل الظروف الاقتصادية والصحية الراهنة.
كما أن هذا التوجه يستند إلى استحقاق قانوني ظل مطروحاً منذ صدور قانون التأمين الصحي القومي لعام 2003، بشأن توحيد منظومة التأمين الصحي تحت مظلة قومية تشمل جميع الولايات.
فهل تلتقط الخرطوم هذه الفرصة، وتعيد ترتيب بيتها التأميني بما يواكب متطلبات المرحلة، وتستفيد من تجربة الصندوق خلال سنوات الحرب؟ أم تظل رهينة انتظار عودة هيئة مستقلة وسوق تأمين خاص لم تعد ظروف الواقع تضمن استعادة دورهما السابق؟
إنها لحظة تستدعي قراراً واضحاً، فصحة المواطنين لا تحتمل المزيد من الانتظار، والتأمين الصحي ليس ترفاً، بل حق وضرورة تفرضها ظروف ما بعد الحرب.



