تحليل ورأي

زيارة لعمامرة: هل تعود الأمم المتحدة كلاعب أساسي في السودان؟

قد تبدو زيارة رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، إلى بورتسودان خطوة دبلوماسية اعتيادية على السطح، لكنها في الواقع تحمل وزنًا استثنائيًا في خضم الأزمة الإنسانية والسياسية التي تعصف بالسودان منذ الحرب الأخيرة في أبريل 2023.

تأتي هذه الزيارة بعد أحداث الفاشر المأساوية، في وقت باتت فيه احتياجات المدنيين عاجلة ومفصلية، ما يجعل هذه الجولة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأمم المتحدة على إعادة دورها في السودان، بعد سنوات من الحضور الضعيف والمتراجع.

رئيس الوزراء كامل إدريس يستقبل رمطان لعمامرة
رئيس الوزراء كامل إدريس يستقبل رمطان لعمامرة

خارطة الطريق: التعاون مشروط بالسيادة

خلال لقائه لعمامرة، أكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، وفقا لوكالة السودان للأنباء، أن الحكومة مستعدة للتعاون مع الأمم المتحدة وفق “خارطة الطريق” الوطنية التي أعدتها الحكومة.

هذا البيان يوضح شيئًا جوهريًا: الحكومة ترغب في الشراكة الدولية، لكنها تسعى أيضًا للحفاظ على قيادتها للملف المحلي.

ويري المحلل السياسي عبد الرازق زيادة أن إشارة إدريس إلى خارطة الطريق ليست مجرد تصريح دبلوماسي، بل محاولة لفرض توازن بين الحاجة للدعم الدولي وبين حماية السيادة الوطنية، خصوصًا في ظل الانقسامات الداخلية وتعدد الجهات المسلحة على الأرض.

بهذا المعنى، تُقرأ الزيارة كخطوة أولى لإعادة صياغة العلاقة بين السودان والأمم المتحدة على قاعدة من التعاون المشروط والمتدرج، بعيدًا عن أي شعور بالوصاية الخارجية، وهو ما كان أحد أبرز الانتقادات لتجارب بعثات الأمم المتحدة السابقة.

المبعوث الأممي رمطان لعمامرة
المبعوث الأممي رمطان لعمامرة

يوناميد ويونيتامس: دروس من الماضي

شكلت بعثة يوناميد المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (2007 – 2020) أكبر عملية حفظ سلام في تاريخ السودان، وقد انتشرت في دارفور لحماية المدنيين ومراقبة تنفيذ الاتفاقيات، لكنها واجهت قيودًا كبيرة:

• قيود ميدانية وحكومية حدّت من قدرة قوات البعثة على التحرك في المناطق الساخنة.

• ضعف النفوذ السياسي: لم تستطع البعثة التأثير على صناع القرار في الخرطوم أو في الجماعات المسلحة.

• تراجع الدعم الدولي: مع مرور السنوات، أصبح التمويل محدودًا والاهتمام الدولي متراجعًا، مما جعل يوناميد أكثر حضورًا رمزيًا منه عمليًا.

وأشار المحلل العسكري احمد إسماعيل إلى أن انسحاب يوناميد ترك فراغًا أمنيًا كبيرًا، وأسهم في تصاعد النزاع في دارفور، ما يظهر هشاشة البعثة في مواجهة الصراعات المركبة والمعقدة.

يونيتامس (2020 – 2023): البعثة السياسية التي جاءت متأخرة

مع الثورة السودانية في 2019، جاءت بعثة يونيتامس لدعم الانتقال الديمقراطي، وتعزيز بناء المؤسسات، وتقديم الدعم السياسي. لكن البعثة اصطدمت بمجموعة من التحديات:

• اجراءات البرهان في أكتوبر 2021 والحرب في أبريل 2023 قللتا من قدرتها على ممارسة أي نفوذ سياسي.

• ضعف الآليات التنفيذية للمساعدة على تطبيق الاتفاقيات.

• انكشاف البعثة أمام الضغوط الإقليمية والدولية دون قدرة حقيقية على حماية المدنيين أو ضمان الاستقرار السياسي.

وقال المحلل السياسي السوداني عبد الخالق محجوب “يونيتامس كانت محاولة حسنة النية لدعم الانتقال الديمقراطي، لكنها جاءت في وقت غير مناسب وبصلاحيات محدودة، مما جعلها عاجزة عن منع الانهيار المؤسسي والصراع المسلح”.

كامل إدريس لدي استقباله  رمطان لعمامرة
كامل إدريس لدي استقباله رمطان لعمامرة

العودة عبر الإنسانية: مدخل أم استراتيجية؟

تصريحات لعمامرة بأن السودان “أحد أكبر القضايا الإنسانية في العالم” تشير إلى مقاربة جديدة: التركيز على الجانب الإنساني قبل السياسي، وهو ما قد يتيح للأمم المتحدة إعادة بناء حضور تدريجي وثقة مع الأطراف المحلية.

المحلل في العلاقات الدولية عبدالرؤوف عبدالسلام يشير إلى أن اختيار لعمامرة، بخبرته الأفريقية وقدرته على إدارة الملفات الحساسة، يعكس وعي الأمم المتحدة بأخطاء الماضي، ومحاولة لتقديم مقاربة أكثر واقعية، تبدأ بالمساعدات الإنسانية، وتفتح لاحقًا الطريق لحلول سياسية متدرجة.

الفاشر: مأساة تفرض التحرك الدولي

أحداث الفاشر الأخيرة لم تكن مجرد مأساة محلية، فهي رسالة إلى العالم عن هشاشة الأمن في غرب السودان، وتأثير النزاعات على استقرار المنطقة، بما في ذلك ممرات البحر الأحمر الحيوية.

هذا الواقع أعاد الأمم المتحدة إلى الساحة، ولو بشكل مؤقت عبر البوابة الإنسانية، لكنه يضعها أمام اختبار حقيقي: هل يمكن أن توازن بين تقديم المساعدات وحماية المدنيين، وبين لعب دور سياسي فعال؟

النجاح مرتبط بعدة عوامل رئيسية

لنجاح هذه العودة التدريجية، يجب أن تتحقق عدة شروط:

1. التزام الحكومة السودانية بخطوات عملية في ملف المساعدات الإنسانية.

2. قدرة المبعوث الأممي على الحفاظ على قناة تواصل مرنة مع الأطراف المحلية، بما يشمل القوات المسلحة والفصائل الميدانية الأخرى.

3. استعداد الأمم المتحدة لتفادي أخطاء الماضي عبر بناء آليات مرنة وفعالة، لا تعتمد فقط على حضور رمزي أو تصريحات سياسية.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن تلخيص المستقبل المحتمل للدور الأممي في السودان في ثلاث مسارات:

• مسار إنساني مكثف: دعم عاجل للمدنيين والمناطق المنكوبة، دون تدخل سياسي مباشر.

• آلية تشاورية هجينة: تعاون بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، شبيهة بيوناميد، لكنها أكثر مرونة وتفاعلية.

• تمهيد لمسار سياسي تدريجي: إذا تهيأت الظروف، قد تنطلق مبادرة سلام أممية جديدة بقيادة خبراء إقليميين ودوليين، بما يشمل الوساطة بين الأطراف المسلحة.

خلاصة الرأي

زيارة لعمامرة ليست مجرد حدث بروتوكولي، إنها شعاع أمل وسط أزمة متفاقمة، رسالة للخرطوم والأطراف المتحاربة بأن المجتمع الدولي يراقب، وأن الأمم المتحدة جاهزة للعودة إذا اقتنعت الأطراف بجديتها.

السودان أمام فرصة لإعادة فتح قنوات الحوار الدولي، والأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل التحدي الإنساني إلى منصة لإعادة الاستقرار السياسي؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير الدور الأممي في السودان للأعوام القادمة، وقد تكون مؤشرًا على مستقبل السلام أو استمرار الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى