
بعد سنواتٍ من الغربة، لم تكن العودة إلى الوطن مجرد قرار سفر، بل كانت عودة الروح إلى جسدها الأول، وعودة القلب إلى نبضه الطبيعي. كانت الرحلة أطول من المسافات، وأعمق من حسابات الزمن، لأنها ارتبطت بحنينٍ ظل يكبر في داخلي يوماً بعد يوم؛ حنين إلى الأرض، إلى التراب، إلى الشوارع التي حفظت خطوات الطفولة، وإلى الوجوه التي لا يغيب دفؤها مهما طال الفراق.
عدتُ إلى وطني وأنا أحمل في داخلي يقيناً بأن هذه المرحلة تتطلب منّا جميعاً أن نكون حاضرين بالفعل لا بالقول، وأن نمد أيدينا للمساهمة في إعادة الإعمار، لا بوصفه مشروعاً عمرانياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً وطنياً وإنسانياً يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ويعيد الثقة قبل الجدران.
لم تكن الغربة سهلة، لكنها كانت مدرسة. تعلمت فيها الكثير، واكتسبت خبرات ومعارف ومهارات أدرك اليوم أن مكانها الطبيعي هو هنا، في بلدي، بين أهلي وأحبابي. فالوطن الذي منحنا الانتماء والهوية يستحق أن نرد له بعض الجميل، وأن نسهم في تضميد جراحه، وأن نشارك في صناعة مستقبله.
عندما وطئت قدماي أرض الوطن، شعرت أن التراب يعرفني كما أعرفه. رائحة التراب، أصوات الناس في الشوارع وضحكات الأطفال وصوت بكائهم، وحتى ملامح التعب على وجوه الكبار… كلها كانت تقول إن السودان، رغم ما مرّ به، ما زال حياً، نابضاً بالأمل، قادراً على النهوض من جديد.
إن إعادة الإعمار ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية جيل كامل يؤمن بأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها. هي مسؤولية المثقف الذي يكتب بصدق، والمهني الذي يعمل بإخلاص، ورجل الأعمال الذي يستثمر بثقة، والشاب الذي يحلم دون خوف. هي مسؤوليتنا جميعاً.
أعود اليوم وكلي شوق وحنين، لكنني أعود أيضاً بعزمٍ لا يلين على أن أكون جزءاً من الحل، لا مجرد شاهد على المرحلة. أعود لأشارك في إعادة بناء ما تهدّم، ولأزرع أملاً جديداً في أرضٍ طالما زرعت فينا معنى الانتماء.
الوطن ليس مكاناً نسكنه فقط، بل هو معنى يسكننا. وحين ينادينا، لا يكون أمامنا إلا أن نلبي النداء..
وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود…

