
الجبال جواهر طبيعية فريدة جديرة بأن نحميها ونصونها. فهي تؤوي نحو 15 في المائة من سكان العالم.
كما أنها تضمّ نصف بؤر التنوع البيولوجي، كما تزود نصف البشرية بالمياه العذبة، داعمة بذلك الزراعة والطاقة النظيفة وإنتاج الأدوية. لكن الجبال تواجه تحديات جسيمة بسبب تغير المناخ، الاستغلال المفرط، والتلوث، وهو ما يضع سكانها والأنظمة البيئية في خطر مستمر.

في السودان، تحتضن البلاد عدة سلاسل جبلية بارزة، أبرزها جبل مرة في دارفور، وجبال النوبة في كردفان، وجبال البحر الأحمر على الساحل الشرقي. هذه الجبال ليست مجرد مشاهد طبيعية خلابة، بل هي مصادر حياة حقيقية: توفر المياه للأراضي الزراعية، وتدعم التنوع البيولوجي، وتساعد في تلطيف المناخ المحلي.

مع ذلك، تعرضت هذه الجبال لضغوط متزايدة. الحرب والنزاعات المسلحة في دارفور وأجزاء من كردفان أدت إلى نزوح السكان، وزيادة الاعتماد على الموارد الطبيعية في المناطق الجبلية، ما أسهم في تدهور الغطاء النباتي وفقدان الموائل. كما أدى التعدين العشوائي للذهب والمعادن في الجبال إلى تلوث التربة والمياه، وتهديد النظم البيئية الدقيقة التي تعتمد عليها هذه المناطق. التوسع الزراعي غير المستدام وإزالة الغابات على الانحدارات الجبلية تسبب في تعرية التربة، وخسارة الإنتاجية الزراعية، وزيادة مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.

تلك التحديات تتزامن مع آثار تغير المناخ، حيث يؤدي ذوبان الجليد والثلوج في المرتفعات، خاصة في جبال مرة، إلى اضطرابات في إمدادات المياه العذبة لمجاري الأنهار، ما يضع آلاف الأسر المحلية أمام صعوبات في الحصول على مياه نظيفة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 311 مليون شخص يعيشون في مناطق جبلية معرّضة لتدهور الأراضي حول العالم، وأكثر من نصفهم يواجهون انعدام الأمن الغذائي، والسودان ليس استثناءً من هذا الواقع.

إن حماية الجبال ليست خيارًا، بل ضرورة. فخفض بصمتنا الكربونية، واعتماد ممارسات زراعية مستدامة، وتنظيم التعدين، وإعادة التشجير، كلها خطوات أساسية للحفاظ على هذه الكنوز الطبيعية. ويكتسب هذا الجهد أهمية خاصة مع الاحتفال باليوم العالمي للجبال في 11 ديسمبر من كل عام، الذي أطلقته الأمم المتحدة عام 2003، بهدف تعزيز الوعي بقيمة الجبال وأهمية صونها، وتشجيع السياسات والبرامج التي تحمي البيئة الجبلية وتحسن ظروف السكان المحليين.

في السودان، يجب أن تكون رؤية التنمية مستدامة، تراعي الطبيعة المميزة للجبال، وتحافظ على تنوعها البيولوجي، وتضمن للمجتمعات المحلية حياة كريمة ومستقرة. فالجبال ليست مجرد تضاريس شاهقة، بل هي قلب نابض بالحياة والماء والطاقة والتنوع البيئي، وحمايتها حماية لمستقبل السودان والعالم أجمع.

