تحليل ورأي

سمية عبد النبي تكتب: الرحيل المر…

عامان ومازال حضورك يملأ الغياب

عامان مرا منذ الرحيل المرذلك الرحيل الذي لم يكن حدثًا عابرًا في سجل الأيام، بل جرحًا مقيمًا في الذاكرة لا يزول. رحلت أمي، لكن ملامحها لم تغادرني، وصوتها ما زال ينساب في داخلي كأنها لم تفارقني إلا بالأمس. هناك فقدٌ يشبه الغربة، وهناك فقد يشبه الموت أكثر من مرةوهذا الأخير هو رحيل الأم.

في كل صباح، حين تغمرني التفاصيل الصغيرة، أجدها تقف في خلفية المشهد:

ابتسامتها التي كانت تُصلح مزاج نهارٍ كامل،

حرصها الذي كان يسبق حاجتي للكلمة،

ونظرتها التي كانت تمنحني يقينًا بأن الدنيا رغم قسوتها ما زالت تحتمل الخير.

اليوم، وبعد عامين كاملين من الفقد، أكتشف أن الأم لا تغيب فعلًا. تغيب الجسد نعم،لكن أثرها يظل ممتدًا في طريقة كلامنا، وفي عاداتنا الصغيرة، وفي القدرة على احتمال الحياة رغم كل ما فيها.

وربما لهذا السبب تحديدًا لا يزال رحيلها طازجًا، كأن الفقد يتجدد كلما احتجت إليها،وكلما تمنيت أن أسمع نصيحتها أو دعاءها أو مجرد نبرة صوتها.

ولأن الحزن على الأم حزن لا يشيخ، يظل القلب يكتبها في ذاكرته كل يوم. أكتبها في الدعاء، في الشوق، وفي تلك اللحظات التي يسند فيها الإنسان رأسه إلى وحدته،فيكتشف أن أقسى ما في اليتم هو أن تعيش الدنيا دون اليد التي كانت تقودك برفق.

في ذكري رحيلك يوم 12 ديسمبريقف التاريخ كل عام أمامي، وكأنه يوم مُعلَّق بين السماء والأرض، لا يستطيع أن يمرّ كغيره من الأيام، ولا أستطيع أنا أن أتعامل معه كأرقام في رزنامة. إنه اليوم الذي رحلتِ فيه يا أمي، اليوم الذي انكسر فيه شيء داخلي لم يُصلح منذ ذلك الحين، اليوم الذي تغيّر فيه شكل العالم بلا رجعة.

عامان مرالكنني ما زلت أسمع وقع خطواتك في البيت.

في الثاني عشر من ديسمبريعود هذا اليوم كل عام لا ليُذكّرني بأنك رحلتِ فحسب، بل ليعيد إلى روحي الارتجافة الأولى، تلك التي شعرت بها حين سمعت خبر غيابك. يعود كأنه يحمل في طياته كل ما لا أستطيع تحمله: صمتك الأخير، وداعك الثقيل، ودمعتي التي لم تجف منذ ذلك اليوم.

في 12 ديسمبر رحلت أمي، وبدأت مرحلة جديدة من حياتيقسم لم أكن مستعدًا له،ولا أستطيع أن أعتاده. قسم بلا دفئك، بلا يدك على كتفي، بلا تلك الكلمات التي كانت تطمئنني حتى في أصعب اللحظات. رحلتِ في يومٍ لم يشبه أي يوم، ولن يشبهه شيءٌ بعده.

عامان مرا

الفقد لا يُقاس بالسنوات، لأن الزمن حين يتعلق بالأم يفقد قدرته على المضي. الزمن هنا بطيء متثاقل يعود إلى الخلف كثيرًا ،أراكِ في الظهرات التي تسبق الغروب، في رائحة القهوة، في ترتيب البيت، في دعاء الفجر، وفي صمتي الطويل حين يمر طيفك دون أن أملك منع نفسي من الانكسار.

أكتب إليك الآن لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لا يخونني.

أكتب لأنني حين أكتبكِ أجدني أستعيدك ،

ضحكتك التي كانت تُصلح أي يوم،

همساتك التي كانت تطفئ كل خوف،

وحضورك الذي كان يسبق كل غياب.

عامان لم يُطفئا نار الحنين، ولم يُسكِتا صوتك في داخلي

هناك أصوات يخفت صداها مع الوقت، وصوتك ليس منها، يأتيني في لحظات التعب،في سجدة الدعاء، في ليلٍ لا أحد يربت فيه على قلبي سواكِ، ولو في الذاكرة.

وأعود إلى 12 ديسمبر

ذلك اليوم الذي علّمني أن الفقد لا يحتاج إلى دروس، يكفي أن تفقد الأم مرة واحدة لتفهم أن هذا النوع من الفراق يشبه الموت أكثر من مرة.

يكفي أن ترحل الأم لتكتشف أن بعض الفراغ لا يُملأ، وأن بعض الغياب لا يعوّض، وأن الحياة من بعدها تختلف حتى إن حاولت أن تبدو كما كانت.

لكننيرغم كل ذلكأراكِ في صورة لا يستطيع الموت أن يمسّها، أراكِ صابرة،مبتسمة، وفي وجهك ذلك النور الذي لم ينطفئ في قلبي لحظة واحدة.

أراكِ كما كنت دائمًاسندًا، رحمةً، وطمأنينةً تسع الدنيا وما فيها.

وفي ذكرى رحيلك الثانية، لا أملك سوى الدعاء:

اللهم ارحم أمي كما رحمتني بصدرها،

وارحم ضعفها يوم كانت الحياة تثقلها،

واجعل قبرها روضة من رياض الجنة،

واجعل نورك يغمر روحها كما كانت تغمر حياتي بالحب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى