تحليل ورأي

أبيي… عقدة الحدود المشتعلة وقلق أممي يتصاعد

تحليل اخباري/ راصدون

حذّرت الأمم المتحدة من تنامي المخاطر السياسية والأمنية في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، مؤكدة أن العملية السياسية المتعلقة بترتيبات الإدارة المشتركة لا تزال في حالة شلل تام، ما يهدد الاستقرار الهش في واحدة من أكثر بقاع المنطقة حساسية واشتعالاً.

قوات حفظ السلام في دورية بأبيي. الصورة: اليونيسفا
قوات حفظ السلام في دورية بأبيي. الصورة: اليونيسفا

وقالت مارثا بوبي، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا، إن الحوار الرسمي بين الخرطوم وجوبا حول أبيي وقضايا الحدود “لا يزال متعثراً”، مشيرةً إلى أن الوضع الأمني يتدهور بالتوازي مع غياب أي تقدم سياسي حقيقي. وتقع أبيي على خط تماس حاد بين البلدين منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، وتعيش منذ ذلك الحين في دوامات من النزوح والعنف يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.

ورغم قرار مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي بتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، تؤكد المنظمة أن البعثة تواجه وضعاً معقداً على نحو متزايد في العام المقبل، على الرغم من التقدم المحرز في حماية المدنيين وخفض التوترات بين المجتمعات المحلية.

يونيسفا… نجاحات ميدانية تعيقها أزمة سياسية ممتدة

منذ 2011، تعمل بعثة يونيسفا على حماية المدنيين وتعزيز القانون والنظام وتسهيل المساعدات الإنسانية، إضافةً إلى دعم الهياكل الإدارية والأمنية المؤقتة التي نصّ عليها الاتفاق السياسي بين البلدين. كما أعربت البعثة عن استعدادها لتفعيل جهاز شرطة أبيي فور إنشائه، وللمشاركة في آليات مشتركة بين السودان وجنوب السودان، مثل الآلية السياسية والأمنية المشتركة ولجنة الرقابة المشتركة لأبيي.

غير أن الأمم المتحدة تؤكد أن هذه الآليات دخلت في حالة جمود كامل منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، وازدياد الضبابية السياسية في جنوب السودان. ولم تعد أي من الحكومتين تشارك في الاجتماعات المفصلية لإدارة الملف، ما جعل تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة أمراً بالغ الصعوبة.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي، تواصل يونيسفا الاعتماد على مبادرات مجتمعية للحفاظ على القانون والنظام، إلى جانب الدوريات اليومية التي تضمن الإبقاء على المنطقة منزوعة السلاح، وهو عنصر تعتبره الأمم المتحدة “ضرورة قصوى” لحماية المدنيين ومنع الانزلاق نحو حرب حدودية جديدة.

يتعاون حفظة السلام بشكل وثيق مع المجتمعات المحلية لتعزيز السلام والمصالحة بين الطوائف والأمن المجتمعي. الصورة: اليونيسفا.
يتعاون حفظة السلام بشكل وثيق مع المجتمعات المحلية لتعزيز السلام والمصالحة بين الطوائف والأمن المجتمعي. الصورة: اليونيسفا.

مكاسب مصالحة هشة… وتهديدات أمنية متصاعدة

ترى الأمم المتحدة أن أبرز إنجازات يونيسفا تتمثّل في جهود المصالحة، التي ساهمت في خفض العنف بين قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك، وفي إنهاء صراع استمر عامين بين قبيلتي تويك ونغوك.

ورغم احتفاظ المنطقة بهدوء نسبي، تحذّر الأمم المتحدة من أن هذا الاستقرار غير مضمون ما دامت العملية السياسية متوقفة.

وتبرز في الشمال مخاوف جادّة من وجود عناصر قوات الدعم السريع داخل أبيي بشكل غير مصرح، الأمر الذي أدى إلى زيادة الجريمة ونقاط التفتيش غير القانونية، ما يقوّض الوضع الأمني. وفي الجنوب، يشكل انتشار قوات جنوب السودان خرقاً آخر للوضع المنزوع السلاح، ما يزيد الخطر على المدنيين ويضعف فعالية البعثة.

ومما فاقم الوضع تراجع ميزانيات عمليات حفظ السلام، ما اضطر يونيسفا إلى تقليص عدد أفرادها، وهو ما حذرت الأمم المتحدة من أنه “يحدّ من القدرة العملياتية للبعثة في منطقة شديدة الهشاشة”.

جنود من البعثة الأممية يعملون على تعزيز مبادرات الصمود المجتمعي في أبيي
جنود من البعثة الأممية يعملون على تعزيز مبادرات الصمود المجتمعي في أبيي

ماذا بعد؟

وفق الأمم المتحدة، تقف أبيي اليوم على مفترق طرق حساس، وسط توسع الاحتياجات الإنسانية، وتزايد انعدام الأمن، وغياب العملية السياسية. وخلال جلسة التصويت على تجديد ولاية يونيسفا، أكد ممثل غيانا أن “وجود ودور البعثة أكثر أهمية من أي وقت مضى”.

وتشدد الأمم المتحدة على أن ضمان مستقبل أبيي يتطلب انخراطاً سياسياً حقيقياً من الخرطوم وجوبا، إلى جانب دعم دولي مستدام سياسياً ومالياً، بهدف حماية المكاسب المتحققة ومنع الأزمة من التحول إلى صراع إقليمي مفتوح.

ففي منطقة تتقاطع فيها الحدود والمجتمعات والنزاعات، يبقى استقرار أبيي أحد الأعمدة الضرورية لصون السلام بين السودان وجنوب السودان — كما يبقى اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وتمهيد الطريق نحو حل سياسي نهائي طال انتظاره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى