
تتقاطع بيانات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عند نقطة واحدة فقط: كلا الطرفين يدّعي السيطرة على مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان. لكن ما عدا ذلك، تتباعد روايتهما حدّ التضاد، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة بخرق الهدنة الإنسانية التي دعت إليها دول الرباعية، بينما تظل الأوضاع الميدانية والإنسانية غامضة بفعل انقطاع المعلومات وصعوبة الوصول إلى المنطقة.

الجيش: هجوم متجدد وهدنة “مضللة”
قال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة إن قواته أحبطت أمس هجوماً جديداً نفذته قوات الدعم السريع على بابنوسة، مؤكدا سيطرة الجيش علي المدينة، ومتهماً المليشيا بشن قصف يومي على المدينة باستخدام المدفعية والمسيرات، رغم إعلان قائدها وقفاً لإطلاق النار. ووصف الجيش الهدنة المعلنة من قائد الدعم السريع بأنها “مناورة سياسية وإعلامية” تهدف – بحسب البيان – إلى تغطية “تحركات ميدانية” جارية وتدفق دعم خارجي.
وأكد الجيش التزامه بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، مشدداً على أنه لن يسمح باستغلال الوضع الإنساني “كغطاء لعمليات عسكرية تزيد الأزمة تعقيداً”.

الدعم السريع: الجيش خرق الهدنة ثماني مرات… وبابنوسة “حُررت بالكامل”
في المقابل، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بخرق الهدنة للمرة الثامنة عبر تنفيذ هجوم مباغت فجر الاثنين على مواقعها في بابنوسة، مشيرة إلى أنها صدّت الهجوم ثم نفذت “عملية دقيقة” انتهت – حسب روايتها – بـ”تحرير الفرقة 22 والمدينة بالكامل”.
وأضاف البيان أن العملية كبّدت القوات المعتدية “خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد”، بما في ذلك تدمير آليات والاستيلاء على معدات “قادمة من دول إقليمية”. وتقول قوات الدعم السريع إنها ملتزمة بالهدنة الإنسانية وبحماية المدنيين، وتتهم الجيش باستخدام عمليات عسكرية “لعرقلة جهود السلام ومنع وصول المساعدات”.
فيديوهات متداولة… ومعلومات يصعب التحقق منها
نشر مقاتلون من الدعم السريع مقاطع مصورة قالوا إنها من داخل بابنوسة، لكن لم يتسنّ التأكد من صحتها أو تحديد مواقعها بدقة. ويزيد انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول من تعقيد الصورة الميدانية، ما يجعل تأكيد أي من الروايتين أمراً بالغ الصعوبة.

مدينة محورية… ومعقل أخير
تكتسب بابنوسة أهمية عسكرية واستراتيجية باعتبارها أحد آخر معاقل الجيش في غرب كردفان، ونقطة ارتباط مهمة بين مسارات الإمداد في المنطقة.
وأي تغيّر في السيطرة عليها سيترك أثراً واضحاً على ميزان القوى الميداني غرب البلاد.
و تُعد مدينة بابنوسة عقدة مواصلات رئيسية بفضل موقعها على خطوط السكك الحديدية التي تربط الغرب والجنوب بالوسط، إضافة إلى قربها من مناطق الإنتاج النفطي مثل هجليج وبليلة ودفرة، ما يجعل السيطرة عليها ذات بعد اقتصادي ولوجستي مؤثر.
كما تمثل المدينة آخر نقاط تمركز الجيش في غرب كردفان، وهو ما يمنحها وزنا عسكريا كبيرا باعتبارها بوابة استراتيجية نحو النهود والفولة والمجلد وحتى تخوم جنوب كردفان.
وإلى جانب ذلك، تُعد بابنوسة سوقا تجاريا مهما للثروة الحيوانية والمحاصيل، ومركزا اجتماعيا لقبائل ذات تأثير واسع في الإقليم، فضلا عن كونها نقطة تماس بين مناطق النفوذ المتصارعة، ما يجعل السيطرة عليها عاملا حاسما في موازين القوى وترتيبات الأمن المستقبلية في الإقليم
تصاعد ميداني مقابل دعوات للسلام
وبينما يستمر تبادل الاتهامات، يجدد الدعم السريع استعداده – وفق بيانه – للدخول في مسار سلام “جدي ودائم”، فيما يشدد الجيش على مواصلة ما يصفه بـ“واجب حماية الدولة والمواطنين”.
وتبقى بابنوسة، وفق الوقائع الحالية، ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب معلومات مستقلة قادرة على حسم الجدل حول من يسيطر فعليا على المدينة.

