
على أطراف الصحراء وشبه السافانا في شمال كردفان، وتحت سماء دارفور المفتوحة أمام الرياح المحملة بالغبار، وعلى ضفاف النيل في الولاية الشمالية حيث يتجاور الجفاف مع ندى الصباح، تنتصب خيام بيضاء وزرقاء مهترئة، لا تحمل عنوانا، ولا تحفظ هوية، لكنها صارت وطنا مؤقتا لمن فقدوا كل شيء.
تمتد صفوف الخيام كأنها ترسم خريطة جديدة للسودان، خريطة من الألم والصمود، من الفقد والبدء من الصفر.
في مخيم على أطراف مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، تنتشر الخيام حول آبار شحيحة المياه، وأطفال حفاة يركضون خلف كرة صنعتها الأمهات من قطع القماش القديمة، والنار المشتعلة في الأفران الطينية تبث رائحة الخبز والحطب، كأنها تحاول إعادة شيء من طمأنينة البيوت القديمة.

أما في منطقة (طويلة) في شمال دارفور، تبدو الطبيعة أكثر قسوة، رياح تحمل رمالا حمراء تضرب الخيام ووجوه النازحين، فتزيد ملامحهم صلابة.
قال الشيخ المسن آدم فضل وهو يشير إلى الأفق “الريح هنا تشبه ما حدث لنا، قاسية، لكنها لا تستطيع أن تكسرنا”.
وفي الولاية الشمالية، يظهر مخيم بالقرب من مدينة (الدبة) بمحاذاة النيل، الماء يمنح الحياة وسط الصمت والجفاف، يخرج النازحون فجرا حاملين الجرار، وكأنهم يعبرون بين الماضي والحاضر سيرا على ضفاف الماء، الماء الذي لا يسأل عن الهويات، لكنه يصنع ذاكرة مشتركة.

الفقد… حين يتحوّل الألم إلى ذاكرة
القاطنون في مخيمات المناطق الثلاثة يعانون الفقد، لم يكن الفقد هنا مجرد خسارة منزل أو مزرعة، بل كان اقتلاعا من جذور الذات.
في خيمة متواضعة بمنطقة (طويلة) بدارفور، جلست آمنة موسى تحتضن صورة قديمة، وقالت “لم آخذ من بيتي سوى مفتاح، وصورة أطفالي حين كانوا صغارا، ولدي الأكبر بقي هناك، تحت التراب، لكن صوته ما زال يرافقني هنا”.
على أطراف مدينة الأبيض بشمال كردفان، يضع معاوية الشيخ، وهو احد النازحين من مدينة (بارا) صورة منزله القديم على جدار خيمته، يقول وهو ينفخ على رماد الموقد “لو سقطت البيوت، فهناك دائما مكان للحلم”.
ويضيف ” الأطفال باتوا أكثر صمتا، وكبار السن أكثر تعلقا بالذكريات، والنساء أكثر قدرة على حمل الحكاية، ورغم الفقد، يبقى القلب معلّقا بفكرة العودة”.

الخيمة… مساحة تعيش فيها الذاكرة
في مخيم النازحين بالقرب من الدبة بالولاية الشمالية، صنعت حليمة اسحاق خيمتها من قطع القماش التي جمعتها أثناء الرحيل، تشير إلى أحد الأقمشة وتقول “هذا كان ستار بيتنا، وهذا غطاء ابنتي التي فقدتها في الطريق، الخيمة ليست بيتا، إنها ما تبقى من حياتنا”.
النساء في المخيم لا يصنعن الخيام فقط، بل يصنعن معنى للبقاء، يطبخن، يغسلن، يعلّمن الأطفال، ويرمّمن الجراح الصامتة، قالت حليمة “الخيمة ليست سقفا، إنها ما يمنع القلب من الانهيار”.
إعادة بناء الحياة… على أنقاض الألم
ورغم هشاشة الخيام وقسوة الليل وشُحّ الطعام، بدأت ملامح حياة جديدة تظهر في المخيمات.
في شمال كردفان، ابتكر الشباب مساحة سموها (ركن الأمل)، تجمع فيها الأطفال للرسم والغناء، ولصناعة حكايات تتجاوز الخوف.
يقول خالد عباس، أحد مؤسسي ركن الأمل “حين بدأت فكرة الركن، لم يكن معنا شيء سوى بعض الألوان المكسورة وقطعة قماش قديمة فرشناها على الأرض، لكننا اكتشفنا سريعا أن الأطفال لا يحتاجون لكثير من الأدوات، بل لكثير من الحنان”.
ويضيف “هنا، يرسمون بيوتا لم تعد موجودة، ويغنون لأمهات ينتظرن العودة، ويكتبون أسماء إخوة غابوا ولا نعرف إن كانوا سيعودون، ركن الأمل لم يعد مساحة للعب فقط، بل صار مكانا يستعيد فيه الناس جزءا من إنسانيتهم، ويشعرون أن الحياة في قلب المخيم ما زالت تستحق أن تُعاش”.
في طويلة بدارفور، نشأ سوق بدائي من صناديق خشب وقطع قماش، يُباع فيه الصابون والخضروات وحتى القصص.
يقول آدم خميس، وهو نازح فتح دكانا صغيرا من صناديق الخشب وقطعة قماش مهترئة في سوق طويلة “لم أكن تاجراً في حياتي، كنت مزارعا، أزرع الدخن والذرة وأنتظر المطر، حين جئنا إلى المخيم، شعرت أن الأرض سُحبت من تحتنا”.
ويضيف ” في البداية كنت أضع أمامي ثلاث حبات صابون وطبق طماطم وبصلة، فقط لأشعر أن لي مكانا في هذا العالم، الناس كانوا يأتون للشراء، لكن بعضهم لم يكن يحمل مالا، كانوا يدفعون بحكاياتهم ودموعهم، هذا السوق ليس للبيع والشراء فقط، هو المكان الذي نتذكر فيه أننا ما زلنا أحياء”.
أما في الولاية الشمالية، أنشأت النساء مطبخا جماعيا، تتعالى منه رائحة الخبز والحكايات، قالت فاطمة موسى مبتسمة وهي تقلب العجين “حين ترتفع رائحة الخبز، نشعر أن الحياة لا تزال ممكنة”.
اما الأطفال فبدأوا تعلم الحروف على قطع كرتون، وكتب المعلم عبد الرازق الصادق بالحجر على سبورة بدائية بفصل دراسي مؤقت في المخيم بالدبة “إذا تعلم الطفل كتابة كلمة وطن، فربما لا نكون قد خسرنا كل شيء”.

التضامن… حين يصبح القلب هو العنوان
في المخيم، لا يُسأل “لمن هذا الطعام؟” بل “من يحتاجه أكثر؟”، تقول مشاعر عبد الله وهي نازحة من مدينة (بارا) وتعيش في مخيم شمال كردفان “كنت في المدينة أعيش وحدي رغم أني وسط الناس، هنا أشعر أنني جزء من عائلة كبيرة اسمها المخيم”.
في مخيم طويلة، يعمل الشاب آدم فضل في توزيع المياه، يقول وهو يحمل دلوا “أمي علمتني أن في المخيم أنت إبن الجميع”.
في مخيمات النازحين، مشاهد عدة تؤشر إلى أن الخيمة لم تعد فقط ملجأ من الشمس، بل صارت منبرا للتكافل، امرأة تخيط ثوبا لجارتها، وشاب يبني خيمة لمن فقد أسرته، وأخرى تقرأ للأطفال عن معنى الوطن.
الأمل… الشخص الوحيد الذي لا يحتاج إلى خيمة
وسط التعب والدموع، يمر الأمل بين الخيام خفيفا، يطل في ابتسامة أم تصنع الخبز، وفي لعب طفل يرسم شجرة على الرمل، وفي صوت شيخ يردد دعاء العودة.
قال النازح يحي الباقر في المخيم قرب الدبة بشمال السودان، وهو يتأمل غروب الشمس “من فقد الأرض يمكن أن يستعيدها، لكن من فقد الأمل لا يجد شيئاً يعود إليه”.

النزوح… بداية الحكاية لا نهايتها
في المناطق الثلاثة التي تأوي آلاف النازحين، لم يكن النزوح نهاية الطريق، بل بداية حكاية مختلفة، حكاية كتبها الصمود، وأعادت صياغتها يد امرأة صنعت من الخيمة بيتا، ومن الرماد خبزا، ومن الألم أملا.
في المخيمات الثلاثة، لا يسكن الناس في الخيمة فقط، بل تسكن الخيمة فيهم، تذكّرهم بما فقدوه، وتمنحهم ما يحتاجونه كي لا يفقدوا أنفسهم.
ويقول النازح عبد اللطيف سالم من داخل خيمة تتلاعب بها الرياح في (طويلة) “هنا، حيث الخيام تصنع ذاكرة مؤقتة، يبقى الأمل هو الخيمة الأكبر التي لا تهدمها الرياح، ولا تغادرها القلوب، ولا تُطوى أوراقها مهما طال الانتظار”.

