في شمال السودان، حيث تتكئ الجبال على صمتها العريق، وحيث يعرف الناس رائحة تربتهم كما يعرفون أسماء أبنائهم، ترتفع هذه الأيام أصوات ليست من طين الخصام، ولا من غبار السياسة… بل من قلب الأرض نفسها. أصوات احتجاجات أهلية تعيد التذكير بأن الأرض ليست مجرد مساحة للبحث عن الذهب، بل ذاكرة وبيت وهواء وماء.
فوق التراب الذي حفظ خطى الأجداد، تتمدّد أسواق التعدين كظلالٍ ثقيلة، تتسع كل يوم مع اتساع رقعة الحرب، حتى صار قلق الأهالي أكبر من ضجيج الآلات. يقول الناس هناك إن هذه المواقع تهدد بيئتهم، وصحتهم، ومواشيهم، وزراعتهم، ومياههم. ويقولونها بلا صراخ… كمن يدافع عن قلبه.
في تلك القرى الممتدة على صفحة الشمال، يخشى السكان أن يتحول الذهب من نعمة إلى نقمة، وأن يتحول الوعد بالتنمية إلى غبار يخنق الحياة. فمن يفقد ماءه، يفقد روحه، ومن تُسمّم تربته، يُقتلع من جذوره، ومن تُهدَّد مواشيه، يتهدّد رزقه ومستقبل أطفاله.
لهذا، فإن الحكمة كل الحكمة أن تُصغي الجهات المختصة إلى هذه المخاوف بعين ترى أبعد من العائد الاقتصادي. فالذي لا يحظى بسند الناس، ينهار ولو كان من صخر. والمشروع الذي يولد وهو محاصر بالعداء الشعبي، يموت قبل أن يبدأ.
الناس هناك لا يرفضون التنمية… بل يرفضون أن تُفرض عليهم رغماً عنهم. يريدون أن يكونوا جزءاً من القرار، لا مجرد متفرجين على مستقبل يتبدل بين ليلة وضحاها.
إن احترام صوت الأهالي ليس ترفاً، ولا شعارات تزيّن التقارير. إنه شرطٌ جوهري لنجاح أي مشروع. فالأرض تُعطي لمن يحفظها، وتغضب ممن يستخفّ بها. ومن أراد ذهبها، وجب عليه أولاً أن ينصت لوجدان من عاشوا عليها، وحملوا همّها، وذادوا عنها طيلة عقود.
في شمال السودان، الأرض الآن تتكلم… والسكان يرفعون صوتها.
ومن لا يسمع، قد يخسر أكثر مما يظن.
