عين الراصد

حين تُستهدف الحقيقة قبل الحدود

فائز الفكى يكتب: عين الراصد

بعض الفوضى لا تولد صدفة، بل تُصمَّم بعناية. تُرسَم كخرائط عسكرية، وتُدار كحملات نفسية، وتُضَخّ في الوعي الجمعي عبر الشائعة قبل الرصاصة. هكذا تُدار هندسة الفوضى في القرن الأفريقي؛ ورقةٌ ميدانية قديمة، تُستخرج كلما اقتربت المنطقة من التقاط أنفاسها.

في هذا الإقليم المتخم بالجراح، لا تُنسى الذاكرة بسهولة، حتى وإن تظاهر البعض بعكس ذلك. ذاكرة الشعوب هنا ليست أرشيفًا مهملًا، بل جرحًا مفتوحًا؛ يستيقظ كلما فُتحت الملفات القديمة بلغة جديدة، أو أُعيد تدوير الأكاذيب بثوب “التحليل” و”التسريبات”. من يظن أن الماضي لا يعود، لم يُصغِ جيدًا لوشوشة الرماد تحت النار.

الأخطر من السلاح هو الرسالة، ومن القذيفة الإيحاء. فحين تُسوَّق فرية أن إثيوبيا “تشاهد” أو “تغضّ الطرف” عن هجومٍ مزعوم لقوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق، لا يكون الهدف نقل خبر، بل إشعال فتيل. إنها محاولة دنيئة لدفع المنطقة نحو انفجارٍ لا يُحسن أحدٌ توقيته ولا يعرف أحدٌ حدوده. انفجار يبدأ بالكلمة، وينتهي بما لا تُحصيه المقابر.

إنها لعبة دفع الآخرين إلى حافة الهاوية، ثم التظاهر بالدهشة حين يسقطون. لعبة تعرف جيدًا هشاشة التوازن في القرن الأفريقي، وتراهن على الخوف المتبادل، وسوء الظن، وسرعة الاشتعال. لكن ما يتناساه مهندسو الفوضى أن الشعوب، وإن أُنهكت، لا تُخدع إلى الأبد، وأن النار حين تشتعل لا تختار ضحاياها وفق خرائط السياسيين.

القرن الأفريقي لا يحتاج مزيدًا من الأكاذيب، بل شجاعة الحقيقة. لا يحتاج رسائل ملغومة، بل خطابًا يُطفئ الحرائق قبل أن تلتهم الأخضر واليابس. أما الذين يعبثون بالوعي الجمعي، فليدركوا أن الفوضى إن أُطلقت، لا تعود إلى قفصها، وأن التاريخ لا يرحم من أشعل النار ثم تظاهر بالحياد.

هندسة الفوضى ليست مجرد لعبة، بل ورقة ميدانية استُخدمت، للأسف، على نحو متكرر من قوى داخل المنطقة وخارجها، لتشويش السلام في القرن الأفريقي. والأدهى أن بعضهم ينسى أن ذاكرة شعوب المنطقة لا تمحو بسهولة، وأن فتح الملفات القديمة أو ترويج الرسائل المفبركة لا يخلق واقعًا، بل يفتح جبهات لن تُغلق إلا بدمٍ وثمنٍ باهظ.

إثيوبيا، الدولة المحورية في قلب هذه المنطقة، تدرك حجمها وعبء المسؤولية الملقاة على عاتقها. فهي عاصمة القرار الأفريقي، وقلب الاستقرار في كثير من ملفات القارة. والتاريخ السوداني يشهد أن إثيوبيا لم تكن يومًا مصدر خيانة أو غدر، بل كانت دومًا السباقة في مد يد العون، كلما جرف التيار السودان، أو عصفت به النوائب.

ومن هنا، فإن من يسوقون فكرة أن إثيوبيا تراقب هجومًا مزعومًا لقوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق، لا يقودون المنطقة نحو الحقيقة، بل نحو انفجار لا يرحم. التاريخ يعلمنا أن العظمة الحقيقية في بناء جسور الثقة، لا في إشعال نيران الفتنة، وأن من يعبث بهذه الروابط، يلعب بالنار في أرض تحتاج إلى حكمة، وهدوء، ورؤية لا تعميها الأوهام.

وتأكيدًا على ذلك، فإن إثيوبيا لم تُخفِ يومًا حرصها على استقرار السودان، لا قولًا ولا فعلًا. مواقفها، قديمًا وحديثًا، تشهد بأنها لم ولن تسعَ للإضرار بالسودان أو استغلال أزماته، بل تعاملت معه باعتباره عمقًا استراتيجيًا وشريكًا في المصير، لا ساحة لتصفية الحسابات.

أما ما يُروَّج اليوم من روايات تزعم تورطًا أو تواطؤًا إثيوبيًا، فليس سوى كذبٍ سياسي يفضحه الواقع، وتكذّبه ذاكرة الماضي، وتسقطه حقائق المستقبل. فالدول لا تُقاس بالشائعات، بل بمواقفها المتراكمة، وإثيوبيا في هذا الميزان أوضح من أن تُشوَّه، وأثقل من أن تُختزل في حملات تضليل عابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى