رحل اليوم عبد العزيز الجنيد،
فرحل معه شيءٌ من دفء المكان،
وتجدّد حزنٌ قديم ظننّا أننا تعلّمنا التعايش معه،
لكنه في الحقيقة لا يشيخ…
بل يتجدّد كلما غاب وجهٌ مألوف من وجوه سونا.
لم يكن عبد العزيز مجرد اسمٍ في سجل الصحفيين،
كان حضورًا خفيف الظل،
وأخًا واسع الصدر،
ورجلًا طيب المعشر، حلو اللسان، جميل الصفات،
تأنس إليه الأرواح قبل أن تألفه المكاتب.
كان صحفيًا، نعم،
لكن الصحافة عنده لم تكن مهنةً تُمارَس ببرود،
بل أمانة تُحمَل،
ومسؤولية تُؤدّى بحب،
ومدرسة مفتوحة تعلّمنا فيها — نحن وتعلم معنا غيرنا —
أصول الكلمة،
وحدود المعنى،
وأخلاقيات النشر حين تختلط الحقيقة بالضجيج.
علّمنا أن الخبر لا يكون عظيمًا إلا بصدقه،
وأن العجلة عدوة المهنة،
وأن الصحفي إن لم يكن إنسانًا أولًا
فلن يكون مهنيًا أبدًا.
اليوم، ونحن نودّعه،
لا نفقد زميلًا فقط،
بل نفقد شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الصحافة
أقرب إلى الرسالة منها إلى السباق،
وأصدق في نبرتها،
وأكثر وفاءً لوجع الناس وآمالهم.
في وكالة السودان للأنباء – سونا،
هذه المؤسسة العريقة التي لم تنقطع صلتنا بها
وإن غادرناها منذ سنوات بعيدة،
تكبر الأحزان،
وتتكاثر الأسماء التي غيّبها الموت
منذ اندلاع القتال في بلادنا،
حتى صار الغياب جزءًا موجعًا من الذاكرة المهنية والإنسانية معًا.
عزاءُنا الكبير لأسرته الممتدة في سونا،
البيت الذي كان له فيه أثرٌ وبصمة،
وعزاءُنا الحار لأسرته الصغيرة
التي فقدت أبًا أو أخًا أو سندًا
لا يُعوَّض.
ولا نقول إلا ما يرضي الله:
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله عبد العزيز الجنيد،
وجعل ما قدّمه من كلمة صادقة
وعلمٍ نافع
وحُسن خُلق
في ميزان حسناته،
وألهمنا جميعًا الصبر…
والوفاء لمن رحلوا
وتركوا لنا إرث الكلمة النبيلة.
