في زمنٍ تكسّرت فيه أعمدة الدولة تحت وطأة الحرب، واهتز فيه الاقتصاد بعنف السلاح والخراب، وقفت قوات الجمارك السودانية في الصفوف الأمامية، لا تحمل بندقية فقط، بل تحمل ميزان الدولة وضميرها الاقتصادي.
أدّت دورها بصمت الكبار، وواجهت العاصفة لا كجهازٍ تقني، بل كمؤسسة سيادية تدرك أن انهيارها يعني اتساع الفجوة وانفلات المورد وتبدد ما تبقى من الدولة.
خلال الحرب التي عصفت بالبلاد، لم تكن الجمارك بمنأى عن الاستهداف المنظم، ولا عن الدمار الذي طال بنيتها التحتية وأنظمتها ومقارها.
ومع ذلك، لم تنكفئ ولم تتراجع، بل أعادت ترتيب صفوفها بعقلٍ بارد وإرادة صلبة. بحكمة قياداتها، وبهمة رجالها ونسائها، استعادت أنظمتها الحيوية، وباشرت مهامها الاقتصادية لتتحول إلى رافدٍ رئيسي من روافد الصمود المالي، وتحقق المطلوب منها… بل وتجاوزه.
أعادت الجمارك انتشارها في المدن الآمنة، ونظّمت نقاطها الجمركية، ونجحت في الحفاظ على دورة الإيرادات في واحدة من أصعب اللحظات في تاريخ الدولة السودانية.
كانت سداً منيعاً في وجه تفتيت المؤسسات، وبرهاناً عملياً على أن الدولة يمكن أن تُجرَح لكنها لا تموت ما دامت مؤسساتها الحيوية تقاوم.
وفي خضم هذه الظروف القاسية، لم تكتفِ الجمارك بأداء الحد الأدنى، بل مضت في تحسين الأداء ورفع كفاءة التشغيل، وحققت إيرادات فاقت الربط المحدد لها، في إنجازٍ لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بقيمته الوطنية والاقتصادية والمعنوية. كما أدخلت أنظمة تطويرية حديثة أسهمت في تحسين الأداء، وضبط العمل، وتعزيز الشفافية، في رسالة واضحة بأن الإصلاح ممكن حتى تحت القصف.
في اليوم العالمي للجمارك، والذي يصادف السادس والعشرين من يناير، لا نحتفي بمؤسسة إجرائية فحسب، بل نحيّي قصة صمود وطنية، جسّدت معنى أن تكون الجمارك حارسة للاقتصاد، وحلقة وصل رئيسية ، وسنداً من سندات بقاء الدولة في أحلك أوقاتها.
إنها شهادة استحقاق تُكتب لا بالحبر، بل بالمواقف، ولا تُعلّق على الجدران، بل تُحفر في ذاكرة الوطن.
