في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختار دونالد ترامب أن يعيد فتح ملف سدّ النهضة لا بوصفه قضية قانونية أو تنموية معقّدة، بل كأداة ضغط سياسي، مستخدمًا خطابًا يقوم على التهويل، وترويج المغالطات، وتبنّي سردية أحادية لا تصمد أمام الحقائق ولا أمام القانون الدولي.
تصريحات ترامب الأخيرة حول سدّ النهضة ونهر النيل لم تكن زلّة لسان عابرة، بل جاءت محمّلة بإشارات متعمّدة: حديث عن “منع مرور المياه”، وتضخيم لحجم السد، والادّعاء ببنائه بتمويل أمريكي، في تجاهل فاضح للوقائع الموثّقة، وكأن الهدف ليس الفهم أو الوساطة، بل صناعة أزمة تخدم أجندات معروفة، وابتزاز مواقف سياسية في لحظة إقليمية دقيقة.
الأخطر من مضمون التصريحات هو منهجها. ترامب تجاوز المؤسسات الأمريكية ذات الصلة، ودهس الأعراف الدبلوماسية، وتصرّف بعقلية رجل العرض لا رجل الدولة، مستبدلًا القنوات الرسمية بتغريدات وتصريحات استعراضية، لا تراعي تعقيد الملف ولا حساسيته التاريخية. هذا ليس سلوك وسيط، بل ممارسة ضغوط فجّة أقرب إلى التهريج المتعمّد منها إلى الدبلوماسية.
في المقابل، تبدو المواقف الإثيوبية أكثر اتساقًا ووضوحًا. فإثيوبيا لم تغيّر خطابها: سدّ النهضة مشروع سيادي تنموي، لا يستهدف الإضرار بأي طرف، وهي ملتزمة بمبدأ عدم إحداث ضرر ذي شأن، وتطالب بتعاون عادل قائم على المصالح المشتركة، لا على الهيمنة التاريخية أو الامتيازات غير المنصفة.
لكن جوهر القضية أعمق من سدّ وسعة تخزين ومراحل ملء. جوهرها هو سؤال العدالة في تقاسم المياه، وسؤال من يملك الحق في القرار داخل حوض النيل. هنا، يصبح الإصرار على إبقاء الملف ضمن قاعدة “الحلول الأفريقية للقضايا الأفريقية” ليس شعارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالنيل ليس نهرًا ثنائيًا، ولا يمكن اختزاله في معادلة طرفين، بل هو شريان حياة يربط دول الحوض جميعًا، ومن حقها جميعًا أن تكون جزءًا من أي نقاش حول مستقبله.
من هذا المنطلق، فإن إشراك دول حوض النيل في أي عملية تفاوضية ليس خيارًا تكميليًا، بل شرطًا للعدالة والاستدامة. كما أن اتفاقية عنتيبي يجب أن تكون المرجعية الحاكمة، لأنها الإطار الوحيد الذي يقوم على مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، بعيدًا عن إرث الاتفاقيات الإقصائية التي صيغت في عصور الاستعمار، لخدمة قلة على حساب الأغلبية.
إن محاولات تدويل الأزمة عبر خطابات ضاغطة ومغلوطة لن تنتج حلولًا، بل ستزيد التعقيد، وتفتح الباب أمام استقطاب سياسي خطير في منطقة لا تحتمل مزيدًا من التوتر. أما الطريق الوحيد الممكن، فيمر عبر الحوار الأفريقي الصادق، والاعتراف المتبادل بالحقوق، والتخلّي عن منطق الوصاية والتهديد.
سدّ النهضة ليس ساحة لاستعراض القوة، ولا ورقة في بازار السياسة الدولية. إنه اختبار حقيقي لقدرة أفريقيا على إدارة مواردها، وحماية سيادتها، وفرض منطق العدالة في عالم اعتاد أن يرفع صوته عندما تتحدث الشعوب عن حقوقها.
