عين الراصد

السنط الجريح… وجع الخرطوم الأخضر

فائز الفكى يكتب: عين الراصد

لم تكن غابة السنط مجرد امتدادٍ من الأشجار على ضفة النيل، ولا ظلاً عابراً يستريح تحته العابرون. كانت ذاكرةً خضراء للخرطوم، وقطعةً من روحها التي ظلت تقاوم التصحر والضجيج والزحف الإسمنتي منذ عام 1930، يوم وُلدت كمحمية طبيعية نادرة، وكوعدٍ صامت بأن للمدينة قلباً نابضاً بالحياة.

على مدى عقود، وقفت غابة السنط شامخة كحارسٍ أمين، تمدّ جذورها في الأرض وتفتح أغصانها للسماء، تستقبل الطيور المهاجرة القادمة من أقاصي الأرض، فتمنحها الأمان والراحة قبل أن تواصل رحلتها الطويلة. كانت الغابة لغة سلامٍ لا تُترجم، ورسالة انسجامٍ بين الإنسان والطبيعة، تهمس بأن الخرطوم ليست مدينة حرب، بل موطن حياة.

لكن الحرب، حين جاءت، لم تكتفِ بهدم البيوت وكسر الأرواح، بل امتدت يدها الخشنة إلى ما تبقى من الجمال. تعرّضت غابة السنط لقطعٍ جائر، وتعدٍّ بلا رحمة، كأن الأشجار صارت وقوداً ليأسٍ عابر، أو غنيمةً في زمنٍ غابت فيه القيم. سقطت السنطات واحدةً تلو الأخرى، لا صوت لها سوى أنينٍ مكتوم، ولا ذنب لها سوى أنها كانت واقفة في طريق الفوضى.

مقالات ذات صلة

لم يكن ما حدث مجرد اعتداء على أشجار، بل جريمة في حق الذاكرة والبيئة والإنسان. فكل شجرة قُطعت كانت صفحةً أُحرقت من كتاب المدينة، وكل ظلٍ اختفى كان وعداً بالحياة قد أُجهض. ومع تراجع الغابة، تراجعت معها الطيور، واختلّ التوازن، وصار الفراغ أكثر قسوة من الدمار ذاته.

ومع ذلك، فإن غابة السنط، رغم الجراح، لم تفقد حقها في الأمل. فما زالت الأرض تحتفظ ببذور الحياة، وما زالت جذوعٌ صامتة تشهد على ما كان، وتنتظر من يعيد إليها الاعتبار. إن إنقاذ الغابة اليوم ليس ترفاً بيئياً، بل فعل وفاء للتاريخ، ومسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال القادمة.

إعادة غابة السنط إلى سابق عهدها تعني أن الخرطوم قادرة على النهوض، لا بالخرسانة وحدها، بل بإحياء قلبها الأخضر. تعني أن الحرب، مهما طالت، لا تستطيع أن تقتل كل شيء. ففي مكانٍ ما بين جذعٍ مكسور وغصنٍ يابس، لا تزال الحياة تنتظر من يمدّ لها يداً صادقة… لتعود الغابة، وتعود معها المدينة أكثر إنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى