عين الراصد

بنك الخرطوم: حين تُستباح الثقة

فائز الفكى يكتب: عين الراصد

تفاجأتُ، كما تفاجأ كثيرون غيري، وأنا أفتح تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، برسالةٍ مقتضبة في ظاهرها، فادحةٍ في معناها: خصم مبلغٍ لصالح صندوق ضمان الودائع للحسابات الاستثمارية، مع إلزامٍ قاطع بالموافقة إن أردتَ المضيّ في أي إجراء داخل التطبيق. لم تكن الرسالة إيضاحًا، ولا كانت خيارًا؛ كانت شرطًا مُسبقًا، يُغلق الأبواب أمام المستخدم حتى يوقّع على ما لم يُستشر فيه أصلًا.

هنا لا نتحدث عن مبلغٍ صَغُر أو كَبُر، بل عن مبدأٍ جوهريٍّ في العلاقة بين المصرف وعميله: الرضا المُسبق، والعلم الواضح، والاختيار الحر. فليس من حق أي بنك—مهما علت سمعته—أن يقتطع من أموال المودعين دون إخطارٍ سابقٍ صريح، ودون موافقةٍ حقيقيةٍ لا تُنتزع بالإكراه الرقمي. إن جعل الموافقة شرطًا لمواصلة استخدام التطبيق ليس إجراءً إداريًا، بل ضغطٌ مقنّع يفرغ مفهوم الرضا من محتواه.

الأدهى من ذلك، أن الخصم جرى لصالح صندوق ضمان الودائع للحسابات الاستثمارية، بينما حسابي—وأحسبه حال كثيرين—هو حساب توفير لا استثمار. ومعلومٌ بالضرورة المصرفية أن حسابات التوفير لا تُعامل معاملة الاستثمار؛ لا أرباح فيها تُقتسم، ولا مخاطر تُؤمَّن، ولا رسوم تُفرض باسم الاستثمار. فإذا انتفى الوصف، انتفى الحكم، وسقطت المشروعية من أساسها.

إن الثقة المصرفية لا تُبنى على الواجهات الأنيقة ولا على الشعارات الرنانة، بل على احترام المال بوصفه أمانة، واحترام العميل بوصفه شريكًا في القرار لا تابعًا له. وحين يُمدّ البنك يده إلى رصيد العميل دون علمه، ثم يطالبه بتزكية الفعل قسرًا، فإن السؤال لا يعود عن الإجراء، بل عن جوهر الأخلاق المصرفية. فالتلاعب بالأموال—أيًّا كان مسمّاه—هو خيانة للأمانة، وتقويض لركن الثقة الذي لا تقوم البنوك إلا به.

قد يقول قائل إن المقصود حماية الودائع وتعزيز الاستقرار، وهي غايات نبيلة لا يُجادل فيها أحد. لكن الغاية النبيلة لا تُبرّر وسيلةً مُلتبسة، ولا تُسقِط واجب الشفافية والاختيار. كان الأولى إخطار العملاء مسبقًا، وتحديد الفئات المعنية بدقة، وترك باب القبول مفتوحًا دون ابتزازٍ وظيفيٍّ للتطبيق.

إن ما جرى ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل اختبارٌ حقيقي لمدى التزام بنك الخرطوم بحقوق عملائه. والاختبار—حتى اللحظة—مخيّب. فالثقة إذا انكسرت لا تُرمَّم برسالةٍ لاحقة، ولا بتبريرٍ متأخر، بل باعتذارٍ صريح، وتصحيحٍ فوري، وردٍّ للحقوق إلى أهلها.

المال أمانة، والشفافية واجب، والاختيار حقّ لا يُصادَر. وما دون ذلك—مهما تجمّل بالأسماء—يبقى اعتداءً على الثقة، وثغرةً في ضمير العمل المصرفي.

والأخطر من كل ما سبق، أن ما حدث—بميزان القانون والمنطق السليم—يُعد احتيالًا صريحًا حتى يثبت البنك عكس ذلك. فالاحتيال لا يُقاس فقط بنية الفاعل، بل بالفعل ذاته حين يتم الاستيلاء على مال الغير دون سندٍ واضح، ودون علمٍ وموافقةٍ مسبقة، وبآليةٍ تُجبر المتضرر على الإذعان ليستعيد مجرد حقه في الوصول إلى حسابه. إن عبء الإثبات هنا لا يقع على عاتق العميل، بل على البنك، الذي يتعيّن عليه أن يبيّن على أي أساس قانوني خُصِم هذا المبلغ، ولماذا فُرض على حسابات لا تنطبق عليها صفة “الاستثمار”، ولماذا غابت الشفافية حتى لحظة التنفيذ.

وإلى أن يخرج بنك الخرطوم ببيانٍ واضح، مُفصّل، ومسنودٍ بنصوصٍ قانونية صريحة، ويُعيد ما خُصِم بغير وجه حق، فإن توصيف ما جرى سيظل قائمًا: تصرفٌ مُلتبس، يرقى إلى مستوى الاحتيال، ويقوّض ما تبقى من الثقة بين المصرف ومودعيه. فالبنوك لا تُمنح الثقة إلى الأبد، بل تحافظ عليها بسلوكها، وحين يختلّ السلوك، تسقط الثقة، ولو كان السقوط صامتًا في البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى