حوارات

عبد الوهاب هلاوي: بين الرماد والقصيدة

… الشعر يقاوم الخراب

العودة إلى قلب المأساة

لم تكن عودة الشاعر السوداني الكبير عبد الوهاب هلاوي إلى منزله في حي الحلفايا بالخرطوم بعد أكثر من عامين من الحرب مجرد عودة إلى جدران وطرقات، بل كانت رحلة إلى قلب الذكرى الممزقة، حيث يتقاطع الدمار مع الأمل، ويتناثر الرماد مع أطياف الشعر.

عند عتبات المنزل، الذي طالته نيران الحرب وعطش الأيام، وقفت الأشجار الميتة كشهود صامتين على ما مضى، وبقايا خزائنه وأوراقه المحترقة تحكي قصة أربعين عاماً من الإبداع، تحولت من كتابات تزين الحياة إلى وقود للطهي.

في مقابلة خاصة يصف هلاوي العودة:

“كانت عودتي بمثابة إعادة إحياء المأساة، كل زاوية في البيت، كل نافذة، كل شجرة محترقة، كانت تذكرني بهول ما جرى”.

فقدان لا يُعوض

لم يقتصر ألم هلاوي على الكتب والمخطوطات والصور العائلية، بل تعداه إلى فقدان شريكة العمر، التي توفيت خلال رحلة النزوح عبر الصحراء نحو مصر، لتدفن بعيداً عن وطنها ودفء بيتها.

“زوجتي ترقد الآن بعيداً عن الأرض التي أحبّتها، والحرب فصلتني عن نصف روحي. لكن،رغم الألم، لا يمكن للحرب أن تسلب مني إرادة الكتابة أو حبي للوطن”.

الشعر كسلاح ضد الخراب

ورغم الخسارة والخراب، يؤكد هلاوي أن الشعر قادر على فضح قبح الحرب والوقوف في وجهها أخلاقياً وفنياً:

“الشعر لا يوقف الحرب، لكنه يحمي روح الأمة. مطلوب منا كشعراء أن نقف في خطالدفاع الأول ضد القبح، وأن نصنع وعياً جمعياً”.

ويسترجع الألم العميق لفقد مكتبه الذي احترق، قائلاً:

“لم تكن مكتبتي مجرد دواوين شعر، بل ذاكرة كاملةمخطوطات، كتب نادرة، وصور،ومحطات من حياتي. لقد تحولت كل هذه الذكريات إلى وقود، لكن قلبي لم يُحرق”.

أثر الحرب على المبدعين

يتحدث هلاوي عن تأثيرات النزوح والخوف وفقد الممتلكات على الفنانين:

“ليس سهلاً أن تكتب وأنت خائف على حياتك وحياة من تحب. الحرب تركت بصمتهاعلى أهل الفن: مبدعون رحلوا بلا وداع، وآخرون تشردوا في المنافي، وآخرون مرضى لايجدون علاجاً. 15 من كبار الشعراء والموسيقيين فقدناهم خلال هذه الحرب”.

التمسك بالأمل

رغم كل الألم والخسارة، يظل هلاوي متشبثاً بالأمل، ويؤمن بأن الكتابة ستظل صوت المقاومة، ويقول:

“لن تُنهب أصواتنا مرتينالأولى كانت بالسلاح، والثانية ستكون إذا صودرت أقلامنا. نحن سنكتب، سنغني، وسنظل نحمي هذا الوطن بالكلمة والقصيدة”.

ويؤكد على قدرة الشعر على الوقوف ضد قسوة الحرب، حتى لو لم يوقفها:

“مطلوب من أي شاعر أن يلبس سترة واقية من الرصاص ليكتب عن جرح الوطن، عن آمال الناس، عن حقهم في العودة وحقهم في الحياة”.

كلمات للأمل والعودة

في قصيدته الأخيرة “بكرة راجعين”، يرسل هلاوي رسالة أمل للغد:

كلو أول ليهو آخر

وكلو باكر ليهو باكر

والشوارع قلب حاضر

أصلو لا ممكن يغيب

ويغني كذلك لـ حاجة آمنة، المرأة الافتراضية التي تمثل كل امرأة سودانية تواجه ويلات الحرب والنزوح:

حاجة آمنة اصبري

عارف الوجع في الجوف شديد

عارفك كمان ما بتقدري

اصبري

اليوم، يجلس هلاوي بعيدا، لكنه ما يزال يكتب ويغني، يرى في الكلمة والسطر حصناً ضد الخراب:

“الشاعر لا يحتاج لبيت كامل، يكفي أن يكون قلبه عامراًوأنا ما زلت أكتب للوطن،وأؤمن بأن الخراب مؤقت، وأن الغد وإن تأخرقادم”.

عبد الوهاب هلاوي في سطور

• شاعر سوداني بارز ومتعدد المواهب، عمل في الإذاعة والصحافة والتلفزيون.

• كتب أكثر من 160 قصيدة، غناها أكثر من ثلاثين مغنياً سودانياً.

• صاحب أكبر رصيد من الشعارات البرامجية والمقدمات الدرامية في الإعلام السوداني، آخرها شعر برنامج هنا السودان.

• عضو لجنة النصوص بالمجلس القومي للمصنفات الأدبية والفنية بالسودان. /النهاية/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى