حوارات

والي غرب دارفور: ما يجري جريمة منظمة لتغيير الهوية

مقابلة خاصة: فائز الفكي

تُعدّ ولاية غرب دارفور واحدة من أكثر بقاع السودان جرحًا واتقادًا بالألم، حيث تداخلت فصول النزاع المسلح مع أبشع الانتهاكات الإنسانية، لتتحول الأرض إلى مسرح مفتوح للعنف الممنهج، والقتل الجماعي، والتهجير القسري واسع النطاق.

في الجنينة، عاصمة الولاية، لم تكن الأحداث مجرد اشتباكات عابرة، بل مأساة مكتملة الأركان، أودت بحياة الآلاف، ودفعت بمئات الآلاف إلى طرق اللجوء والنزوح، في مشهد أعاد إلى الذاكرة أسوأ فصول التاريخ الإنساني المعاصر.

وتشير تقارير رسمية وأممية متطابقة إلى أن الهجمات التي نفذتها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها استهدفت بصورة خاصة إثنية المساليت وغيرها من المكونات غير العربية، في سياق عنف اتسم بالتنظيم والقصد، وهدفه ـ في أدناه ـ تفريغ الأرض من أهلها الأصليين، وفرض واقع ديمغرافي جديد بالقوة، بما يرقى إلى جريمة تطهير عرقي مكتملة المعالم.

والي غرب دارفور الجنرال الفريق بحر الدين آدم كرامة
والي غرب دارفور الجنرال الفريق بحر الدين آدم كرامة

في هذا السياق الملبد بالدم والأسئلة الثقيلة، يأتي هذا الحوار الخاص مع والي ولاية غرب دارفور، الفريق بحر الدين آدم كرامة، ليس بوصفه مجرد حديث صحفي تقليدي، بل شهادة من موقع المسؤولية، ورواية من قلب الحدث، وحديث العارف ببواطن الأمور، المطلع على خفايا ما جرى ويجري.

إفاداته هنا لا تُقدَّم على هيئة إجابات عابرة، بل كتشخيص دقيق من نطاس بارع، يضع يده على الجرح بلا مواربة، ويسمّي الأشياء بأسمائها، في لحظةٍ بات فيها الصمت تواطؤًا، والحياد انحيازًا مستترًا.

استهل الجنرال بحر الدين آدم كرامة، حديثه بتوجيه الشكر لـ(راصدون) على إتاحة المساحة، مؤكدًا أن ما سيُقال ليس ترفًا سياسيًا ولا خطابًا إنشائيًا، بل شهادة واجبة في لحظة مفصلية من تاريخ الإقليم، فإلى نص المقابلة الخاصة.

هل ما يجري في دارفور جزء من مخطط منظم؟

الوالي: السؤال الحقيقي ليس: هل هناك مخطط؟

السؤال الجوهري هو: من الذي خطط؟ من الذي نفّذ؟ ومن الذي اختار الصمت شريكًا في الجريمة؟

ما يحدث في دارفور ليس فوضى عمياء ولا انفلاتًا قبليًا، بل جريمة منظمة وممنهجة لتغيير الهوية والتركيبة السكانية بالقوة المسلحة، نفذتها مليشيا الدعم السريع عبر القتل الجماعي، والتهجير القسري، والحرق الشامل للقرى، وبغطاء ودعم سياسي وإقليمي معروف لا تخطئه العين.

هذه ليست قراءة نظرية ولا توصيفًا إعلاميًا، بل وقائع ميدانية موثقة بالدم، والشهادات، والصور. ومن ينكرها اليوم، إما شريك مباشر في الجريمة، أو شاهد زور اختار الوقوف في صف القتلة، أو أسير تضليل متعمد لا يريد للحقيقة أن تُقال.

نحن هنا لا نحلل المشهد، بل نسمّي الجريمة باسمها، ونضع المسؤولية حيث يجب أن تكون.

الجنرال بحر الدين آدم كرامة

ما حقيقة الصراع حول الأرض والحواكير؟

الوالي: القضية ليست خوف المواطنين على أراضيهم، القضية الأخطر هي: من سمح للمليشيا أن تستولي على الحواكير؟ ومن حاول لاحقًا شرعنة هذا الاعتداء بالصمت أو بالمساومات السياسية الرخيصة؟

كل من جاء إلى أرض دارفور على ظهر دبابة، أو تحت فوهة بندقية، أو في ظل التهجير القسري، هو مغتصب أرض، وليس صاحب حق. ولن تمنحه القوة شرعية، ولن يمنحه الزمن صك ملكية.

وأقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستسقطها الدولة عاجلًا أم آجلًا. ومن يراهن على نسيان دارفور لحواكيرها وتاريخها وحقوقها، يجهل معنى الأرض في وجدان أهلها. فالأرض هنا ليست ملكًا فحسب، بل هوية، وذاكرة، ودم.

الوالي: أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستسقط
الوالي: أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستسقط

كيف تقرأون صمود النازحين واللاجئين؟

الوالي: صمود النازحين واللاجئين هو الدليل القاطع على فشل هذا المخطط الإجرامي.

لو نجحت المليشيا، لانتهت دارفور، وانكسر أهلها، وطُمست هويتها، لكنهم لم ينكسروا، رغم الجوع، ورغم الألم، ورغم الخذلان.

الجيش السوداني، والقوات المشتركة، والمقاومة الشعبية، أفسدوا حسابات العدو، وأسقطوا وهم السيطرة السريعة، وحوّلوا مشروع الإبادة والتطهير إلى مستنقع استنزاف سياسي وعسكري وأخلاقي للمليشيا.

ومن ظنّ أن المدنيين سيُهزمون نفسيًا قبل أن يُهزموا عسكريًا، فشل في فهم طبيعة هذا الشعب، وفشل قبل أن تُهزم مليشيته في الميدان.

الوالي: صمود النازحين واللاجئين دليل على فشل المخطط
الوالي: صمود النازحين واللاجئين دليل على فشل المخطط

ماذا عن الوضع الإنساني وموقف المجتمع الدولي؟

الوالي: نعم، الوضع الإنساني مأساوي ومؤلم، ولا يحتاج إلى تزيين بالكلمات.

لكن المأساة الأخلاقية الأكبر هي صمت المجتمع الدولي، وتواطؤ بعض المنظمات، وممارسة الحياد الكاذب الذي يساوي بين الضحية والجلاد.

لا يمكن الحديث عن الإغاثة دون تسمية المتسبب في الكارثة، ولا يمكن علاج الجرح مع إنكار من طعنه. المليشيا هي من دمّرت المستشفيات، وقطعت الطرق، وشرّدت المواطنين، وحرمتهم من أبسط مقومات الحياة.

ومن يريد حلًا إنسانيًا حقيقيًا، فليتوقف عن تبييض الجريمة تحت شعارات جوفاء، وليقف مع الحق بوضوح، لا مع القاتل باسم الحياد.

نُتّهم لأننا ندافع عن الأرض؟ نعم.

نُهاجم لأننا نرفض الاستيطان؟ نعم.

نُستهدف لأننا نقول الحقيقة؟ نعم.

لكن التاريخ لا يكتب رواية المليشيات، ولا يحفظ أسماء القتلة. التاريخ يكتب أسماء من وقفوا مع الأرض، ومع الإنسان، ومع الحق، حين كان قول الحق ثمنه باهظًا.

التاريخ لا يكتب رواية المليشيات، ولا يحفظ أسماء القتلة

من يقف سياسيًا وإقليميًا خلف هذا المخطط؟

الوالي: نحن لا نتحدث عن أشباح أو افتراضات، بل عن شبكة مصالح واضحة: مليشيا تنفذ الجرائم على الأرض، وأطراف إقليمية تموّل وتغطي، وأصوات سياسية اختارت التجميل أو الصمت.

فهل يمكن بعد كل ذلك إنكار أن ما يجري مخطط منظم، أكبر من بندقية؟

وإن طال زمنه، فهو محكوم بالسقوط، لأن المشاريع التي تُبنى على دم الأبرياء لا تعيش، ولأن التاريخ لا يحمي الوكلاء.

الوالي: دارفور ليست غنيمة حرب
الوالي: دارفور ليست غنيمة حرب

ما رسالتكم لمن يراهن على فرض الأمر الواقع بالقوة؟

الوالي: من يظن أن ما يُفرض بالسلاح يمكن أن يتحول مع الزمن إلى شرعية، لا يدرك أن الأمر الواقع المفروض بالبندقية مؤقت مهما طال.

دارفور ليست غنيمة حرب، ولن تكون يومًا مكافأة للمجرمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى