مقالة خاصة: أبراج فوق السطوح… وسماء تنتظر الموعد الأول لطيران الزاجل في الخرطوم

كتبها: فائز الفكي
الخرطوم 23 نوفمبر 2025 (راصدون) على امتداد أحياء منطقة شرق النيل بشرقي العاصمة السودانية الخرطوم، تتناثر أبراج خشبية عالية فوق الأسطح، أشبه بحزم من الصناديق المتشابكة، تتخللها فتحات صغيرة تشبه النوافذ، ينساب منها صوت خفقة جناح أو هديل ناعم يعلن أن هذه البقعة، رغم الحرب، ما زالت تملك سماءها الخاصة.
هنا، عند شروق الشمس، يبدأ المشهد اليومي الذي يشبه طقساً من طقوس الأمل: فتح بوابات الأقفاص، وإطلاق الحمام في فضاء مفتوح، ليحلّق ثم يعود، كأنما يمارس طقوس الحرية والوفاء.

– – مشهد التدريب: سماءٌ تنبض بالحياة
في سطح منزله بحي الحاج يوسف، يقف حسب الرسول سالم، يطلق صافرة حادة،يلوّح بيده، ثم يفتح الباب العلوي لأحد الأقفاص الخشبية.
فجأة، ينطلق سرب من الحمام الزاجل كغمامة خفيفة، يتماوج في الهواء على شكل دائرة، ثم يبدأ في الارتفاع تدريجياً، وكأنه يحفظ سرّ المسار وحده.
يراقب حسب الرسول الحمام بعين خبيرة، ويبتسم قائلا “أفضل لحظات اليوم هي عندما أرى طيوري تحلّق ثم تعود، الطيران هو اختبار الذكاء، والعودة هي اختبار الوفاء”.
ويضيف “منذ الصغر وأنا مغرم بتربية الحمام، وخاصة حمام الزينة، لكن عام 2014 كان نقطة التحول حين تخصصت في الحمام الزاجل، وبدأت أشارك في مسابقات بدارفور”.
ثم يشير إلى أقفاص متجاورة تضم سلالات بلجيكية وألمانية وعربية، ويقول “هذا الحمام لا يعود إلى المكان فقط، بل يعود إلى صاحبه”.
– – غرف لا تشبه الأقفاص… بل حدائق معلّقة
في سطح آخر، وفي غرفة خُصِّصت للحمام الزاجل، تصطف الأقفاص بعناية، بعضها مصنوع من الخشب، وبعضها من السلك المعدني، لكن جميعها يضم طيوراً ببريق مذهل: حمام ذو مناقير حادة، وأجنحة قوية، وعيون تلمع كالعقيق.
يتنقل محمد علي عبد الرحمن بين الأقفاص، يتحسس ريش إحدى الحمامات، ويتفقد أجنحة أخرى، ثم يقول “الحمام الزاجل ليس شكلا فقط، بل يحتاج أن تعرف لياقته،ذاكرته، عمره، وقدرته على التحمل. قبل الحرب كانت سباقاتنا تتجه غرباً نحو دارفور،وجنوبا نحو النيل الأزرق، أما الآن فقد تغيّر الاتجاه نحو الشمال، إلى الولاية الشمالية”.
ويضيف “هناك مسابقة كبرى في ديسمبر المقبل، وستكون أول سباق رسمي يُنظم من الخرطوم بمشاركة أندية من عدة ولايات”.

– – مشهد السوق الأسبوعي: حوار من الريش والأرقام
في سوق الحمام الأسبوعي بالخرطوم بحري، تتراص الأقفاص على الأرض وعلى العربات الصغيرة، حمام زاجل، حمام زينة هزاز، نفاخ، شكودراز، وحمام فراشة بألوان مدهشة.
حسن ود الريس، الذي أصبح من أبرز التجار والمستوردين، يقف وسط السوق ويقول “قبل الحرب كانت هذه الهواية في تطور وازدهار، لكن الحرب أوقفت الاستيراد والنشاط، والآن نحاول إعادة الروح إليها من جديد”.
ثم يمسك بحمامة هزازة ذات ريش كثيف قائلا “تربية حمام الزينة هواية عالمية،وهناك سلالات لا تُقدَّر بثمن، نأمل أن تعيد الجهات الحكومية فتح باب الاستيراد مجددا”.
– – هواية لا تتراجع… حتى تحت الحرب
في محلية شرق النيل، يجتمع خمسة من المربين يوميا عند الغروب، يمارسون تدريب الحمام بإطلاقه على مسافات مختلفة، يحرصون على التأكد من استجابة الطيور للنداء،وحفظ الاتجاهات، والانتباه إلى التوقيت.
يقول لطفي عز الدين، وهو أحد مربي الحمام “تربية الحمام الزاجل هوايتنا الأولى وعشق لا ينتهي، لدينا مسابقات محلية داخل ولاية الخرطوم، ورغم ظروف الحرب استمرت الهواية، واستطعنا استيراد سلالات أفضل وأكثر قدرة على المنافسة”.
ويتابع وهو يطلق سربا جديدا للتمرين “الحمام يطير بثقة، وكأنه لا يرى الحرب، يرى فقط ما يتذكره وهو بيت العودة”.
– – سباق الخامس من ديسمبر يمثل لحظة ولادة جديدة
الآن، ومع اقتراب الخامس من ديسمبر، وهو موعد أول سباق للحمام الزاجل بالخرطوم، تبدو السماء وكأنها تتحضر لهذا الموعد.
المربون ينظمون حلقات تدريب يومية، يسجلون بيانات الحمام، يثبتون الحلقات المعدنية، ويتناقشون حول المسار القادم من الخرطوم إلى دنقلا، في رحلة قد تتجاوز 500 كيلومتر.
ويقول حسب الرسول سالم “السباق بالنسبة لنا ليس مجرد منافسة، إنه إعلان عودة الحياة إلى سماء الخرطوم، وعودة قلب الهواية إلى نبضها الأول”.
ويضيف، وهو ينظر إلى السرب العائد بعد التدريب “ أجمل ما في الحمام الزاجل ليس الطيران، بل العودة”.
ويتابع “في زمن تغادر فيه أشياء كثيرة، يبقى الحمام وحده يعرف كيف يعود دائما، إلى السطح، إلى صاحبه، إلى الحكاية”. /النهاية/

