عين الراصد

ألف يوم من الوجع

فائز الفكى يكتب: عين الراصد

اليوم، لا يمرّ يوم عادي في تقويم الزمن، بل يكتمل رقمٌ ثقيل: ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان.

ألف يوم… ليست رقمًا حسابيًا، بل جرحًا مفتوحًا، وسيرة ألمٍ طويلة، وذاكرة مثقلة بما لا يُحتمل.

ألف يوم من الهروب، حين صار الطريق بيتًا مؤقتًا، وصارت الحقيبة وطنًا مختصرًا، وصار السؤال الدائم: إلى أين بعد؟

ألف يوم من النزوح واللجوء، من خيام لا تقي حرّ الشمس ولا برد الليل، من حدودٍ تُعبر بالجسد لا بالقلب، ومن انتظارٍ أطول من الصبر نفسه.

ألف يوم من القتل، حيث صار الموت خبرًا عاجلًا، وصورة عابرة، ورقمًا في نشرة، بينما هو في الحقيقة اسمٌ كان يُنادى، ووجهٌ كان يبتسم، وحلمٌ لم يكتمل.

ألف يوم من التدمير، حين تهدّمت البيوت قبل أن تهدأ القلوب، وانكسرت المدارس قبل أن تكبر الأحلام، واحترقت المستشفيات وهي تحاول إنقاذ ما تبقى من الحياة.

ألف يوم من النهب والسلب، ليس فقط للممتلكات، بل للكرامة، وللطمأنينة، وللشعور البسيط بأن هذا المكان آمن.

ألف يوم من فقدان الأمن، حين صار الليل مصدر خوف، والنهار امتدادًا للقلق، والسكوت أشد ضجيجًا من الرصاص.

في هذه الألف يوم، شاخ الأطفال قبل أوانهم، وتعبت الأمهات من عدّ الغائبين، وتعلّم الآباء كيف يخفون دموعهم كي لا ينهار البيت الأخير: القلب.

في هذه الألف يوم، لم يُهزم السودانيون لأنهم ما زالوا يقفون، لكنهم أُنهكوا، أُنهكوا حدّ التعب من مجرد النجاة.

ومع ذلك، وسط هذا الركام، لا تزال هناك إنسانية تقاوم.

يدٌ تُمدّ، ولقمة تُقسم، وابتسامة تُنتزع من بين الألم، وكلمة “اصبر” تُقال وكأنها صلاة.

السودان، في ألف يوم من الحرب، لم يفقد روحه، لكنه أُثقل بها.

اليوم، ونحن نعدّ ألف يوم، لا نطلب معجزة.

نطلب فقط أن يتوقف النزيف، أن يعود السلام من غربته، أن يعود الوطن مكانًا للحياة لا للاختبار، وأن يكفّ التاريخ عن امتحان هذا الشعب القاسي عليه الصبر، العظيم في احتماله.

ألف يوم… كافية لأن نقول:

كفى حربًا.

كفى موتًا.

كفى ضياعًا.

آن للسلام أن يأتي، لا كخبرٍ عابر، بل كحياةٍ كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى