عين الراصد

السودان… امتحان الجيل الأخير

فائز الفكى يكتب: عين الراصد

ونحن نقترب من العام الثالث لاندلاع الحرب، لا يعود السودان مجرد وطنٍ منكوب، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي كبير، وإلى مرآة قاسية نرى فيها وجوهنا بلا مساحيق. هذه الحرب لم تكتفِ بتمزيق الجغرافيا، بل مضت أبعد من ذلك، فمزّقت الوعي، وعرّت الضمائر، ووضعت جيلاً كاملاً أمام امتحانه الأصعب: إمّا أن يرتقي إلى مستوى اللحظة، أو يسقط في هوّة المراهقة السياسية والعجز الأخلاقي.

لسنا اليوم أمام صراع سلاح فحسب، بل أمام صراع معنى. معنى الوطن، ومعنى الانتماء، ومعنى أن تكون سودانياً في زمن تتكسر فيه القيم كما تتكسر البيوت.

الجراح التي خلّفتها الحرب عميقة، وبعضها لم يلتئم بعد، لكن السؤال الجوهري ليس حجم الألم، بل قدرتنا على تجاوزه: هل نملك شجاعة التحرر من أسر الجراح، أم سنحوّلها إلى هوية دائمة تبرر الكراهية وتؤجل السلام؟

هذا الظرف التاريخي سيكشف إن كنا جيلاً قادراً على التضحية من أجل السلام، لا الاكتفاء بالحلم به. السلام لا يُمنح، بل يُنتزع انتزاعاً من بين أنياب العنف، ويتطلب شجاعة أخلاقية أعلى من شجاعة القتال. يتطلب أن ننتصر على غرائز الانتقام، وأن نُخضع الغضب للعقل، وأن نضع مصلحة الوطن فوق نشوة الانتصار الزائف لأي طرف.

نحن بحاجة إلى طريق جديد للوعي الوطني، طريق لا يبدأ من المنصات ولا من الشعارات، بل من الذات. من مراجعة صادقة لمواقفنا، من مساءلة اللغة التي نستخدمها، ومن إدراك أن الكلمات – في زمن الحرب – يمكن أن تقتل كما تقتل الرصاصات. طريق يرى في التنوع السوداني ثراءً لا تهديداً، وفي الاختلاف فرصة للحوار لا ذريعة للاقتتال. طريق يعترف بأن السودان لا يمكن أن يُختصر في صوت واحد، ولا يُبنى بعقلية الغالب والمغلوب.

الأهم من كل ذلك، أننا بحاجة إلى صياغة خطاب جديد؛ خطابٍ أقل ضجيجاً وأكثر عمقاً. خطاب يتخلى عن الصراخ لصالح الفهم، وعن السطحية لصالح التحليل، وعن التخوين لصالح السؤال. خطاب جامع، لا يُقصي أحداً ولا يحتكر الوطنية، ويتعامل مع الخلاف بوصفه ظاهرة صحية لا خطيئة سياسية. خطاب يتحلى بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية، مدركاً أن كل كلمة تُقال اليوم ستُحاسَب عليها الذاكرة غداً.

إن ما نعيشه ليس مجرد فصل عابر في كتاب التاريخ، بل صفحة فاصلة ستحدد كيف سيُذكر هذا الجيل: هل كجيلٍ ضيّع وطنه وهو يتجادل، أم كجيلٍ أنقذه وهو يتألم؟ السودان اليوم لا يطلب منا بطولات أسطورية، بل يطلب قدراً من النضج، وجرأة في التفكير، وصدقاً مع الذات. فإما أن نكون على مستوى الامتحان… أو نترك للأجيال القادمة مهمة الإجابة عنا، ومعها عبء الخسارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى