عين الراصد

من موتٍ إلى موت: رحلة السودانيين في التيه

فائز الفكي يكتب: عين الراصد

في صحراءٍ لا تُجيد سوى الصمت، عُثر هذا الصباح على وجعٍ جديد يحمل اسم السودان.

نحو خمسين روحًا سودانية—بينهم نساء وأطفال—تقطّعت بهم السبل على تخوم الحدود الليبية-السودانية، في منطقة سيوف بوفاطمة جنوب الكفرة، على مسافة 450 كيلومترًا من أقرب معنى للأمان. أنقذتهم الأيادي قبل أن يبتلعهم الرمل، لكن السؤال الأكبر ما زال تائهًا في العراء: من يُنقذهم من قدر التكرار؟

هذه ليست حكاية عبورٍ فاشل، بل فصل آخر من كتاب المعاناة المفتوح منذ سنوات. السودانيون لا يفرّون من وطنهم بقدر ما يُدفَعون دفعًا من ضيق العيش، ومن خوفٍ صار يوميًّا، ومن وطنٍ صار—على اتساعه—أضيق من حلم طفل. حين تُغلق المدن أبوابها، وتنهار السقوف فوق الأحلام، تصبح الصحراء خيارًا قاسيًا لا ملاذًا، وتجربةً على حافة الحياة لا رحلة.

أن تجد نساءً وأطفالًا في قلب الصحراء، فهذا اعترافٌ صارخ بفشل العالم في حماية الأبرياء. أن يظل الخبر يتكرر، فهذا اتهامٌ صريح لبلادة الضمير الدولي، ولصمتٍ طال حتى صار شريكًا. كل عملية إنقاذٍ تُفرح القلب لحظة، لكنها تُوجعه مرتين: مرة لأن الأرواح نجت، ومرة لأن النجاة جاءت بعد أن وُضعت الأرواح أصلًا في مهبّ الهلاك.

إلى متى يظل السوداني يطرق أبواب الغربة بقدميه العاريتين؟

إلى متى تتحول الحدود إلى مقابر مؤجلة، والصحارى إلى محاكم بلا قضاة؟

إلى متى نُسمي الكارثة “نزوحًا” كي نخفف وقعها، وهي اقتلاعٌ كامل من الجذور؟

ليس المطلوب شفقةً عابرة ولا بيانات تعاطف موسمية، بل موقفًا أخلاقيًا يسبق السياسة، وإرادةً تُعيد للسوداني حقه البسيط: أن يعيش في وطنه بلا خوف، وأن يحلم بلا تأشيرة، وأن يكبر أطفاله بعيدًا عن خرائط الهروب.

ما جرى جنوب الكفرة إنذارٌ آخر، وربما أخير. فالسودان لا ينزف دمًا فقط، بل ينزف بشرًا، روحًا بعد روح.

والسؤال الذي لا يجوز أن يبقى معلقًا في الهواء: إلى متى؟

لسان حال السودانيين : كان لدينا وطن.

جملةٌ قصيرة، لكنها اليوم أثقل من أن تُحتمل. كان لدينا وطن نحتمي بظله، ونختلف داخله، ونحلم على ترابه. ثم—رويدًا رويدًا—تحوّل ذلك الوطن إلى خراب: مدنٌ بلا ماء، وبيوتٌ بلا سقوف، وطرقاتٌ تحفظ أسماء القتلى أكثر مما تحفظ عناوين الأحياء.

السودانيون لا يهاجرون بحثًا عن الرفاه، ولا يغامرون بأطفالهم حبًّا في المجهول؛ إنهم يفرّون من موتٍ واضح المعالم إلى موتٍ آخر أكثر صمتًا. يهربون من الرصاص إلى العطش، ومن القصف إلى التيه، ومن جحيم الحرب إلى جحيم الصحراء. الموت هناك سريع، وهنا بطيء… لكن النتيجة واحدة.

حين تجد نساءً وأطفالًا عالقين في قلب الصحراء، فاعلم أن الوطن قد خذلهم قبل أن تخذلهم الجغرافيا. فالأرض التي لا تحمي أبناءها، تدفعهم ليختبروا قسوة العالم حفاةً، بلا ماء ولا وجهة، سوى أملٍ هشّ في أن يُعثر عليهم قبل أن يطويهم النسيان.

كان لدينا وطن… نعم.

أما اليوم، فلدينا ذاكرة وطن، وصور بيوتٍ لم تعد قائمة، وأسماء مدنٍ تُنطق مقرونةً بالألم. وطنٌ تحوّل إلى خراب، فصار الخروج منه—مهما كان قاتلًا—أقل رعبًا من البقاء فيه.

ووسط كل عملية إنقاذ، يظل السؤال معلقًا كجرحٍ مفتوح:

لماذا نُنقذ السوداني من الصحراء، ولا نُنقذ السودان من الخراب؟

وإلى متى يظل أبناؤه يفرّون من الموت… إلى الموت؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى