عين الراصد

فائز الفكى يكتب: الهاربون من الحرب

… يطاردهم الصقيع

في ذلك الركن البارد من أوروبا، حيث تتكسر الرياح على تخوم الغابات والحدود، لم تكن الأرض في أواخر نوفمبر سوى صفحة أخرى من كتاب معاناة السودانيين المفتوح على الفقد.

قرب مدينة بيهاتش، شمال غربي البوسنة، عثرت الشرطة على ثلاثة لاجئين سودانيين وقد تحوّلت أجسادهم إلى شهادات صامتة على قسوة الطريق؛ رجال حملتهم الحرب من دفء الوطن إلى عراء المنافي، فواجهوا الشتاء بلا أحذية ولا معاطف، وبلا يقين سوى الأمل في النجاة.

قضمة الصقيع، كما يشرح الأطباء ببرود العلم، هي تجمّد الأنسجة وتوقف الدم عن الجريان. لكن ما لا تقوله التقارير الطبية هو أن الصقيع الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير: يبدأ حين تُغلق المدن أبوابها في وجه أهلها، وحين تُجبر الحروب الناس على الهرب من بيوتهم إلى مصائر مجهولة.

أجساد الرجال الثلاثة لم تتجمد فجأة؛ لقد كانت تُستنزف منذ زمن طويل، منذ أن ضاقت الأرض في السودان حتى صار العالم كله معبراً محفوفاً بالخطر.

اضطر الأطباء في توزلا إلى بتر سيقان الرجال الثلاثة، وبتر أيدي اثنين منهم، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من حياتهم.

أطراف قُطعت، لكنها ليست مجرد أعضاء بشرية؛ إنها بقايا أحلام بسيطة: خطوة آمنة، مصافحة، عمل كريم، حياة عادية كان من الممكن أن تكون. في كل بتر، فصلٌ جديد من قصة الفقد التي تكتبها الحرب السودانية خارج حدودها، على أجساد أبنائها في المنافي.

هؤلاء الرجال لم يكونوا مغامرين ولا طلاب مخاطرة، بل ناجين مؤقتين من حرب دفعتهم إلى السير عكس الجغرافيا بحثاً عن ملاذ.

خرجوا من بلاد أنهكتها البنادق، فوجدوا أنفسهم في مواجهة حدود لا ترحم وطقس لا يساوم. وبين نار الحرب في الداخل وصقيع الشتاء في الخارج، سقطت إنسانيتهم في الفراغ الذي تتركه السياسات المترددة والضمائر المتعبة.

السلطات البوسنية تحقق، والمنظمات الإنسانية تتابع، لكن السؤال الأوسع يبقى معلقاً: كم جسداً يجب أن يُنهك، وكم طرفاً يجب أن يُبتر، قبل أن يُنظر إلى معاناة السودانيين بوصفها مأساة إنسانية كاملة، لا خبراً عابراً في نشرات المساء؟

الحرب لم تكتفِ بقتل من قتلت داخل السودان، بل تواصل ملاحقة من نجا منها، حتى في أبعد المنافي.

قصة بيهاتش ليست استثناءً، بل علامة.

علامة على أن الحرب حين تُترك بلا نهاية، تتحول إلى شتاء دائم يلاحق ضحاياه أينما ذهبوا.

وفي أجساد هؤلاء اللاجئين، كتبت الحرب سطورها الأخيرة بالقسوة نفسها التي بدأت بها، تاركة للعالم مهمة واحدة: أن يقرأ، وأن يشعر، وأن يتحرك، قبل أن يتحول الصقيع إلى قدرٍ جماعي لا ينجو منه أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى