على الضفة المقابلة للبحر الأحمر وخليج عدن، حيث تعبر السفن شرايين التجارة العالمية، تقوم أرض الصومال كجارٍ إفريقيٍ قريبٍ من العرب جغرافيًا، وبعيدٍ عنهم سياسيًا ووجدانيًا.
كيانٌ يطلّ على واحدٍ من أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم، ومع ذلك ظلّ لعقود خارج الرؤية العربية، كأنه تفصيل هامشي في دفترٍ لا يُفتح إلا عند الطوارئ.
ليس في التجربة ما يدعو للتجاهل. فوسط إقليمٍ مضطرب، استطاعت أرض الصومال أن تبني نموذجًا لافتًا في الأمن والاستقرار، وأن تشقّ طريقًا متدرجًا في تحسين الإدارة والاقتصاد، وأن تمنح سكانها حدًا معقولًا من الطمأنينة المفقودة في جوارها القريب. من يزورها لا يحتاج إلى تقارير دولية ليلاحظ الفارق؛ الفارق بين دولة تحاول أن تكون، وأخرى تُركت عمدًا كي لا تُحسب.
المؤلم حقًا أن هذا التجاهل لم يكن نتيجة عجزٍ عن الفعل، بل ثمرة فائضٍ من الشعارات. شعارات السيادة ووحدة الكيانات واحترام الخرائط الموروثة، رُفعت عاليًا، بينما تُرك الإنسان على الأرض يفاوض وحده على حقه في المستقبل.
لم يأتِ الاعتراف من المحيط العربي، ولا حتى فُتح باب حوارٍ جاد، وكأن أرض الصومال تقع خارج الجغرافيا العربية السياسية، أو خارج دائرة الحسابات الاستراتيجية.
واليوم، حين تتحرك أطراف أخرى للاعتراف بها أو لمدّ الجسور معها، يعلو الاستنكار العربي متأخرًا. غير أن المسألة لا تختزل في من اعترف، بل في من غاب طويلًا. فالاعتراف الإسرائيلي الأخير، أو أي خطوة من هذا النوع، لا يقف عند حدّ كيانٍ واحد، بل يفتح الباب واسعًا أمام كيانات مشابهة في الإقليم، ويكسر محرماتٍ سياسية طالما اعتُبرت خطوطًا حمراء، لا لقوة المنطق بل لغياب البدائل.
وهنا يتجاوز القلق حدود أرض الصومال نفسها. في السودان، المنهك بالحرب والانقسام، يلوح الخوف مشروعًا من أن تتحول سابقة الاعتراف إلى عدوى سياسية، تُغري أطرافًا أخرى بالسير في الطريق ذاته، مستندة إلى واقع التفكك وغياب الدولة المركزية.
حين تصبح الجغرافيا قابلة للتفاوض، والخرائط رهينة لموازين القوة، فإن الدول الهشة تكون أول من يدفع الثمن.
المفارقة أن العرب يقفون مرة أخرى في موقع ردّ الفعل. يرفضون الاعتراف، لكنهم لا يقدّمون بديلاً. يخشون التفتيت، لكنهم لا يبنون وحدة حقيقية. ينددون بالتدخلات الخارجية، بينما يتركون فراغاتٍ استراتيجية مفتوحة على مصراعيها.
الخلاصة أكثر قسوة هذه المرة: حين تُهمل فرص الشراكة والحوار، لا تأتي الأطراف الأخرى فقط لملء المكان، بل لإعادة رسمه. وحين يغيب العرب عن صناعة الوقائع، يصبحون أسرى لنتائجها، يراقبون ضعفهم وهوانهم في مرآة واقعٍ لم يصنعوه، لكنهم سمحوا له أن يتشكل.

