عين الراصد

حين يشيخ المستقبل

فائز الفكى يكتب : عين الراصد

اللقطة الصامتة
اللقطة الصامتة

في هذه اللقطة الصامتة، يقف الزمن عاريًا بلا أقنعة.

امرأة سبعينية تستند إلى عصا أثقل من خشبها، وطفل لا يكاد يحمل من الدنيا سوى نظرة مرتبكة. بينهما سبعون عامًا من العمر، ومتر واحد من الطول، ومسافة لا تُقاس إلا بالوجع.

الطفل ينظر إلى الأمام. لا لأنه شجاع، بل لأنه لا يعرف كيف ينظر إلى الخلف. المستقبل أمامه غامض، مفتوح على احتمالات لا يفهمها، لكن الخوف يسكن عينيه كغريزةٍ مبكرة؛ خوفٌ تعلّمه قبل أن يتعلم الكلام. كأن الحياة همست له باكرًا: “انتبه، الطريق ليس آمنًا”.

أما العجوز، فتنظر إلى الخلف. لا تبحث عن شيءٍ مادي، بل عن نفسها. عن عمرٍ ضاع بين التعب والانتظار، عن وجوه غابت، وعن أحلام لم تجد وقتًا لتكبر. ظهرها المنحني ليس انحناء جسدٍ فقط، بل انحناء سنواتٍ طويلة من الصبر. عصاها لا تعينها على المشي بقدر ما تمنحها حق الاستمرار.

الطريق بينهما واحد، لكن المعنى مختلف.

الطفل يسير نحو المجهول، والعجوز تغادره.

هو يحمل الخوف مما سيأتي، وهي تحمل الحسرة على ما مضى.

هذه الصورة ليست امرأة وطفلًا فحسب؛ إنها نحن.

نحن حين نولد في أوطانٍ متعبة، فنكبر بسرعة، ونشيخ قبل أواننا.

نحن حين ننظر إلى الأمام بقلق، لأن الأمس لم يكن رحيمًا، وحين ننظر إلى الخلف بندم، لأننا لم نملك ترف الاختيار.

العجوز تتمنى…

تتمنى لو عاد الزمن قليلًا، لا لتغيّر العالم، بل لتستريح.

والطفل يخاف…

يخاف أن يكبر في عالمٍ يشبه هذا الطريق: طويل، موحش، ولا ظلال فيه.

بين نظرةٍ إلى الأمام ونظرةٍ إلى الخلف، تضيع الأوطان، وتُختصر الحكاية:

جيلٌ لم يعد يملك القوة، وجيلٌ لم يُمنح الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى