
في لحظة الانتقال بين عام وآخر، يقف الإنسان متأملاً، يتساءل: هل نودّع شيئًا؟ أم نستقبل شيئًا؟ الزمن، في حكمته الصامتة، لا يودع ولا يستقبل، بل يمضي. لا تقف الساعة عند منتصف الليل لتعلن عن فصل جديد؛ بل يواصل الزمن تدفقه، كأنه نهر لا يعترف بالحدود، ولا يؤمن بنهايات مفاجئة.
بالنسبة لنا، يصبح هذا التدفق أكثر وضوحًا ومرارةً. فقد تحوّل الانتقال بين عام وآخر من مناسبة للاحتفال إلى لحظة للتأمل العميق في واقع ممزق: مدن أُغرقت بالحرب، قرى تُخيم عليها نيران النزاع، مخيمات للنازحين تملؤها وجوه تحمل شقاء الرحيل وآلام الفقدان.
وفي هذا التدفق الصامت، يعيش السودانيون بين الموت والحياة، بين الفقد والتمسك بالأمل، محاولين الإمساك بلحظة صغيرة من الأمان وسط الزحام الكبير للفوضى.
العام الذي رحل ترك خلفه مدنًا مثقلة بالخراب، وبيوتًا بلا أبواب، وقلوبًا أُجبرت على الهجرة قبل الأقدام. كان عامًا مليئًا بالخوف، بالفقد، وبأسئلة بلا إجابات في مخيمات النزوح وطرقات اللجوء. وفي هذا المشهد القاسي، لم يكن الانتقال إلى عام جديد احتفالًا بقدر ما كان وقفة صامتة لمحاسبة الوجع.
لكن الزمن، مهما ثقل، يعلمنا درسًا ثمينًا: أن الحياة مستمرة، حتى عندما يبدو كل شيء متوقفًا. كل لحظة – مهما كانت موجعة – جزء من الرحلة، وكل تجربة منقوشة في ذاكرة الإنسان كدليل على الصمود. الانتقال بين عام وآخر ليس انفصالًا، بل استمرارية؛ استمرارية تمنحنا فرصة لإعادة النظر في الحاضر، لاحتضان اللحظة التي نحن فيها، لنجعل من الألم درسًا ومن الأمل مرساة.
ومع دخول العام الجديد، يتساءل القلب: ما الذي يجب أن ننساه من العام الذي رحل؟ ما الذي نحمله معنا من أوجاعه وتجاربنا فيه، وما الذي يجب أن نتركه خلفنا؟ وما الذي نرجوه من العام الذي دخل؟ الأمل، السلام، الأمان، الفرص الجديدة، أو حتى لحظة هدوء نادرة في قلب كل هذه العاصفة؟ هذه هي لحظة الاستقبال الحقيقية: أن نختار ما نود أن نحمله معنا، وأن نرجو ما نستحق أن نعيشه.
ثم يأتي الرجاء: ماذا نريد من العام الذي دخل؟ نريده عامًا أفضل، ولو بخطوة صغيرة. نريده عامًا يقلّ فيه صوت الرصاص، ويعلو فيه صوت العقل. عامًا تعود فيه بعض البيوت إلى أصحابها، وبعض الطرق إلى سالكيها، وبعض القلوب إلى الطمأنينة. نريده عامًا يحمل للسودانيين حقهم البسيط في حياة طبيعية: أمن، وسلام، وكرامة، ومستقبل لا يُبنى على الخوف.
قد يكون الاستقبال الحقيقي للعام الجديد هو أن نؤمن، رغم كل شيء، بأن الغد يمكن أن يكون أرحم. أن نرى الأمل في صمود الأمهات، وفي صبر النازحين، وفي ابتسامة طفل لم تعرف الحرب كيف تنتزعها. أن نتمسك بحلم بلدٍ يستحق الحياة، حتى وهو ينزف.
في السودان اليوم، يدعونا الزمن – وهو يمضي بلا توقف – إلى الصبر، وإلى الإيمان بأن الألم ليس قدرًا أبديًا، وأن العام الجديد، مهما كان امتدادًا لما قبله، يمكن أن يكون بداية مختلفة إن حملنا فيه إرادة السلام، وشجاعة الأمل.
الزمن يمضي… ونحن معه، ورغم كل شيء، نتمنى أن يكون القادم أفضل.

