في صباحٍ بورتسودانيٍّ مختلف، لم يكن الحدث احتفالًا عابرًا، ولا بروتوكولًا رسميًا يُؤدى ثم يُنسى. كان المشهد أكبر من منصة وخطابات، وأعمق من عرضٍ لقطع أثرية استعادت طريقها إلى الوطن.
تحت شعار «ختامه مسك»، بدا المكان وكأنه يستعيد روحه، كما يستعيد السودان جزءًا عزيزًا من ذاكرته التي حاولت الحرب أن تمحوها.
استرداد 570 قطعة أثرية دفعة واحدة ليس رقمًا يُسجَّل في دفاتر الأخبار فحسب، بل شهادة حية على أن هذا الوطن، رغم النزيف، ما زال قادرًا على حماية ما يُشبهه. هو إنجاز غير مسبوق تحقق بالتضامن الوطني، حين تلاقت إرادة الدولة مع وعي المجتمع، وتحوّل الإيمان بالهوية إلى فعلٍ ملموس، لا إلى شعارات معلّقة في الهواء.
في بورتسودان، كان المعنى واضحًا: حماية الهوية الوطنية لا تقل أهمية عن أي معركة تُخاض بالسلاح. فالحروب لا تستهدف الأرض وحدها، بل تسعى، في جوهرها، إلى كسر الذاكرة، وتشويه المعنى، وقطع الصلة بين الأجيال. وحين تُحمى الآثار، يُحمى وجدان الأمة، وتبقى جذورها ضاربة في عمق التاريخ، عصيّة على الاجتثاث.
ما حدث هو فعل وطني نبيل، أعاد الاعتبار لفكرة أن تاريخ السودان ليس ملكًا لمتحف أو مؤسسة، بل حق مشترك للأجيال كافة. كل قطعة أُعيدت هي صفحة عادت إلى كتاب الوطن، وكل أثر استُرد هو انتصار صغير على مشروع النسيان الكبير.
استعادة هذه الآثار تمثل عودة لجزء عزيز من الذاكرة الوطنية، وانتصارًا صريحًا على محاولات طمس القيم الحضارية، وضرب المعنى العميق للهوية السودانية. إنها رسالة تقول إن من ظنوا أن الفوضى كفيلة بمحو التاريخ، أخطأوا التقدير، فالتاريخ حين يسكن وجدان شعب، يصبح عصيًا على السرقة.
والأهم من كل ذلك، أن ما جرى يؤكد حقيقة ظل كثيرون يشككون فيها: أن هذا الوطن يمتلك القدرة على التعافي، وأن مؤسساته الوطنية، مهما أُرهقت، قادرة على النهوض وحماية تاريخ البلاد، مهما تعاظمت التحديات وتشابكت الأزمات.
وحُق لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة أن تحتفي بما أنجزته، بل أن تفخر به. فربما كان هذا الإنجاز هو الأبرز للحكومة منذ اندلاع الحرب؛ إنجاز لم يُقَس بالأرقام وحدها، بل بما حمله من رمزية ومعنى. تحية مستحقة للوزارة، من أعلى هرم قيادتها حتى أصغر موظف فيها، فقد أثبتوا أن حماية الوطن لا تكون دائمًا في ساحات القتال، بل أحيانًا في إنقاذ حجرٍ صامت، يحمل في صمته حكاية أمة كاملة.
