في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه هوامش الخيارات، لا تبدو العلاقات الدولية ترفًا دبلوماسيًا، بل تتحول إلى شريان حياة، وإلى بوصلة تحدد اتجاه المستقبل. ومن هذا المنظور، يأتي اللقاء الذي جمع وكيل التخطيط بوزارة المالية محمد بشار بالقائم بأعمال السفارة الصينية بالسودان شو جيان أمس، كرسالة هادئة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، تؤكد أن السودان ما زال يمتلك أصدقاء حقيقيين يعرفون معنى الشراكة لا الوصاية، والتعاون لا الابتزاز.
الصين، التي لم تكن يومًا ضيفًا عابرًا في دفتر علاقات السودان الخارجية، ظلت عبر مختلف العهود سندًا ثابتًا، تمد يدها حين تنكمش الأيدي الأخرى، وتستثمر حيث يتردد المستثمرون، وتبني حيث يكتفي غيرها بإصدار البيانات. ومنحة المائتي مليون يوان الصيني لدعم مشروعات البنى التحتية في قطاعات المياه والزراعة والكهرباء ليست رقمًا في ميزانية، بل تعبير عملي عن فلسفة صينية ترى في التنمية مدخلًا للاستقرار، وفي الشراكة طريقًا للمصالح المشتركة.
أما النقاش حول إعفاء 345 مليون يوان من الديون الصينية، فهي خطوة تتجاوز الحسابات المالية البحتة، لتلامس جوهر العلاقة السياسية والأخلاقية بين البلدين. فإعفاء قروض بلا فوائد، قُدمت في أوقات عصيبة لتمويل مشروعات حيوية، يكشف عن دولة لا تتعامل مع السودان كحالة طارئة، بل كصديق استراتيجي يستحق الدعم حين يتعثر، لا الضغط حين يضعف.
وفي المقابل، لا بد للسودان أن يقرأ المشهد الدولي بعين مفتوحة على الواقع، لا على الأوهام. فالتوجه غربًا، الذي رُوّج له طويلًا باعتباره بوابة الخلاص، لم يكن في كثير من الأحيان سوى سراب سياسي واقتصادي، مشروط بالإملاءات، ومثقل بالوعود المؤجلة، ومشحون بلغة العقوبات أكثر من لغة التنمية. أما الشرق، حيث تقف الصين بثقلها الاقتصادي وتجربتها التنموية الفريدة، فيقدم نموذجًا مختلفًا: استثمار مقابل إنتاج، وبنية تحتية مقابل نمو، واحترام للسيادة مقابل شراكة طويلة الأمد.
إن تعزيز العلاقات مع بكين اليوم ليس خيارًا تكتيكيًا، بل قرارًا استراتيجيًا ينسجم مع حاجة السودان لإعادة بناء اقتصاده على أسس واقعية، بعيدًا عن الارتهان السياسي، وقريبًا من منطق المصالح المتبادلة. فالتنين الصيني لا يطلب تغيير الهويات ولا إعادة صياغة القناعات، بل يفتح أبواب التعاون لمن يريد أن يعمل وينهض.
وحين يختار السودان أن يشرق بوجهه نحو الشرق، فإنه لا يدير ظهره للعالم، بل يعيد ترتيب أولوياته، ويصغي لصوت التجربة لا لضجيج الشعارات. فهناك، حيث العمل بصمت، والالتزام بالفعل، والوفاء بالشراكة، يمكن أن تبدأ رحلة التعافي… رحلة تعرف أن الأصدقاء الحقيقيين يُعرفون في لحظات الشدة، لا على موائد الوعود.
