
في لحظةٍ يتقاطع فيها النفط بالسياسة، والحدود بالدم، خرج تصريحٌ من جوبا يهزُّ الماء الراكد. نائب رئيس أركان الجيش في جنوب السودان يتحدث عن تنسيق رفيع المستوى بين رئيس مجلس السيادة في السودان ورئيس جمهورية جنوب السودان لحماية حقول (هجليج) بعد انسحاب الجيش ودخول قوات الدعم السريع. تصريح لا يشبه الهامش، بل يقع في قلب السؤال الوطني، في قلب الأعصاب الحساسة التي لا تتحمل اللمس — ومع ذلك، تلوذ الخرطوم بالصمت.
صمتٌ كثيفٌ كغبار الحرب… يمتدّ ولا يفسّر.
صمتٌ يراقب ولا يُطمئن.
صمتٌ يُشبه الباب الموارب؛ لا يُفتح ولا يُغلق.
هل صار الصمت استراتيجية؟
ربما.
لكن هل يصلح الصمت في لحظةٍ كهذه؟
هنا ينهض السؤال، بأظافره كلها.
فالقضية ليست مجرد تصريحٍ عابر، ولا نقلاً متعجلًا من مسؤولٍ عسكري؛ إنها كلمة سقطت في بئرٍ مليئة بالتوترات: حقول نفطٍ تتبدل أقدارها، قوات تتحرك، حدود تتنفس قلقاً قديماً، ودولة أخرى تعلن أنها ستتولى الحماية.
الصمت هنا لا يُقرأ حياداً، ولا يُحتسب ترفاً سياسياً؛ الصمت في مثل هذا الموقف يتحول إلى ضوءٍ أحمر… إلى مساحة تتكاثر فيها التأويلات، وتتعاظم فيها الشكوك، وتُبنى عليها سرديات لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
فالناس اليوم، في السودان وخارجه، لا يملكون رفاهية الغموض.
البلاد خارجة من جرحٍ لم يلتئم، ومن حربٍ لا تزال تنفخ رمادها في وجوه الجميع. وحقول النفط ليست أرقاماً في دفتر الحساب الوطني، بل شرايين حقيقية لاقتصاد يكاد يختنق. وعندما تظهر قوة أجنبية في الصورة — ولو تحت لافتة “التنسيق” — يصبح واجب التوضيح مضاعفاً، لا منقوصاً.
الصمت قد يكون حكمة حين يكون الوقت لصالحك.
أما حين يتحرك الواقع أسرع من التصريحات، فالصمت يصبح ضريبةً باهظة.
الصمت يترك الناس وحدهم أمام أسئلتهم، بلا يد تُمسك بقلقهم، ولا صوت يشرح، ولا مسؤول يوضح ما يجري فوق الطاولة وتحتها.
الأسئلة الآن ليست صغيرة:
ـ هل تم التنسيق فعلاً؟
ـ وما طبيعة هذا التنسيق؟
ـ وهل هو خطوة تكتيكية أم تحوّل استراتيجي؟
ـ وما موقع السيادة في معادلة كهذه؟
لا أحد يطلب بياناً قاسياً، ولا ضجيجاً سياسياً، بل مجرد شفافية تقطع الطريق على الشائعات، وتعيد الثقة لمواطنٍ أرهقته المفاجآت القاتلة.
في زمن الحرب، الكلمة مسؤولية… والصمت مسؤولية أكبر.
وفي لحظة هشّة كهذه، تحتاج الدولة إلى صوت يضيء الطريق، لا إلى ظلٍّ يطيل الحيرة. فالسودان اليوم يحتاج الوضوح مثلما يحتاج السلام، ويحتاج الصراحة مثلما يحتاج الأمن.
لذلك، يبقى السؤال مفتوحاً على نهايته:
هل الصمت سياسة… أم تردد؟
وهل يفيد… أم يزيد النار اشتعالاً؟
ما نعرفه الآن أن الناس تنتظر.
وفي الانتظار — دائماً — تصنع الفراغات أخطر الروايات.
