
ليس أقسى على الروح من أن يُنتزع الصوت من بين الناس كما تُنتزع زهرة من تربة عطشى، وأن يُساق أحد حَمَلة الحقيقة إلى عتمة لا يُسمع فيها إلا خفق الخوف.
هكذا يمضي الصحفي النبيل معمر إبراهيم يومه الخامس والأربعين في قبضة قوات الدعم السريع، منذ خُطف من شوارع الفاشر أواخر أكتوبر، في زمنٍ صارت فيه الحرب أكثر ضراوة على الحقيقة منها على البشر.
تقول الروايات إن معمر يُحتجز في ظروف لا تشبه حياةً ولا تشبه نجاة؛ في مكان بمدينة نيالا لا يصل إليه الضوء إلا منهكًا، ولا يصل إليه الهواء إلا مثقلاً بما يذكّره بأن العالم ما زال يدور… لكنه يدور من دونه. يواجه المرض بلا دواء، والوهن بلا رحمة، والانتظار بلا نافذة تعِده بأن الفجر قريب.
ومع كل هذا الألم، يُدار مصيره كما لو كان بندًا في دفتر مساومات، يُشترط لإطلاق سراحه فداءٌ فاحش يبلغ 200 مليون جنيه، كأن حياة الإنسان سلعة، تُسعّرها يد جشعة لا تعرف من قيمة الروح إلا ما يملؤها من طمع.
لكن مأساة معمر ليست حادثة طارئة؛ هي صفحة أخرى في سجلٍّ مظلم من الانتهاكات التي تطال الصحفيين والعاملين في الإعلام داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث تُطارد الحقيقة، وتُطرد الحرية، ويُراد للناس أن يروا العالم بعينٍ واحدة… ليست أعينهم.
معمر لم يحمل سلاحًا، ولم يدعُ لكراهية. كان يحمل الكاميرا والقلم، ويمشي بين الحطام ليصنع للناس نافذة يرون منها ما يجري حولهم. كان صوتًا هادئًا ورقيقًا، لكن صدقه كان أعلى من كل ضجيج، وأقوى من كل خوف.
فما الذنب الذي ارتكبه ليُسحب إلى ظلام متراكم، يُحرم فيه من الدواء ومن نور الشمس ومن الأمل؟
وأي قلب هذا الذي يحتمل أن يترك إنسانًا مريضًا يتآكل يومًا بعد يوم، لأن الحقيقة خرجت من فمه؟!
إن الصمت على هذه الجريمة ليس حيادًا… إنه انحياز للظلم.
والتغاضي عن قمع الصحافة ليس موقفًا عابرًا… بل قبولٌ بأن يُدار وطنٌ كامل من وراء ستار.
يا أهل هذه البلاد المنهكة بالدخان والصدور الثقيلة، تذكّروا أن الصحفي هو آخر شعلة تُضيء الطريق حين يلتف الليل حول الجميع. فإذا خُطفت هذه الشعلة، ضاع الطريق، وضاع مَن يمشيه.
لا تنسوا معمر إبراهيم.
لا تتركوا صوته يُذبل خلف جدران الخوف.
ارفعوا الصوت لأجله ولأجل كل من يُعاقَب لأنه حمل الحقيقة في قلبه قبل قلمه.
لا لقمع الصحافة.
لا لمساومة الإنسان على حياته.
نعم لحرية لا تُطفأ… ولحقيقة لا تُختطف.

