انتهت امتحانات الشهادة السودانية هذا العام، لكنها – على ما يبدو – لم تُنهِ حالة الدهشة التي صاحبتها منذ اليوم الأول وحتى آخر ورقة إجابة. كأنما لم تكن مجرد امتحانات دراسية، بل عرضًا مفتوحًا لسلسلة من المشاهد التي تتأرجح بين الكوميديا السوداء والعبث الخالص، ويحق لها أن تُدرج – بلا منازع – ضمن قائمة “الغرائبيات التربوية” إن وُجدت.
في قاعةٍ ما، جلس طالب لامتحان التربية الإسلامية، فخرج علينا لاحقًا بتصريح يليق بأن يُدرّس في مادة الفلسفة لا التربية الإسلامية: “جابوا لينا آيات من برا القرآن”. وهنا يجد المرء نفسه أمام حيرة حقيقية: هل نحن بصدد جرأة فكرية خارقة، أم أمام بساطة ذهنية قررت أن تختصر الطريق نحو الجهل دون المرور بمحطات الشك؟
وفي زاوية أخرى من المشهد، تقف الأرقام صامتة لكنها أكثر فصاحة من أي خطاب: حالات (ولادة) متكررة بين طالبات جلسن للامتحان. قصة ليست طريفة، بقدر ما هي موجعة، تكشف عن واقع اجتماعي أكثر تعقيدًا من أي سؤال إنشائي. هؤلاء الفتيات، حين يصلن إلى الجامعة – إن وصلن – لن يحتجن إلى تبرير الغياب بزواجٍ محتمل، فقد سبق السيف العذل، وأُنجز المشروع قبل أن يبدأ الحلم.
أما بطلة الفيديو الشهير، فقد قدمت درسًا متقدمًا في “تعدد النسخ البشرية”: نسخة غاضبة تهاجم المراقبات لأنها مُنعت من الغش، ونسخة معتذرة – ربما أكثر تهذيبًا – لكنها لا تزال تحتاج إلى ورقة لتقرأ منها الاعتذار. وكأن الرسالة الأعمق هنا أن الغش ليس سلوكًا عابرًا، بل مهارة متكاملة يمكن توظيفها حتى في التوبة.
وبينما ينشغل البعض بتطوير المناهج، قرر أحد الطلاب أن يطور أساليب “حل المشكلات” بطريقته الخاصة، فانتقل من محاولة الغش إلى محاولة اغتيال المعلم الذي منعه من الغش، قفزة نوعية تختصر سنوات من التربية، وتطرح سؤالا جادا: هل ما نحتاجه فعلا هو وزارة تعليم، أم وزارة دفاع بكتب دراسية؟
لكن الذروة – بلا شك – كانت من نصيب ذلك الشاب الذي ارتدى نقابا، متخفيا في هيئة حبيبته، ليؤدي الامتحان نيابة عنها. مشهد يصلح لرواية بوليسية رديئة أو لفيلم كوميدي منخفض التكلفة. ومع ذلك، لا يخلو الأمر من “بعد رومانسي” إن أردنا المجاملة: تضحية من أجل الحب، أو هكذا قد يُقال. غير أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ فالتنكر لم يكن مقنعا إلا لصاحبه، أما الواقع فكان أكثر صراحة من أن يُخدع بكتفين عريضتين تحت نقاب.
وسط كل هذا، تبدو الامتحانات وكأنها فقدت وظيفتها الأساسية: قياس المعرفة. لقد تحولت إلى اختبار من نوع آخر؛ اختبار لقدرة المجتمع على التعايش مع التناقضات، وعلى الضحك – أحيانًا – حتى لا يبكي. وربما، في نهاية المطاف، لا تكون المشكلة في الطلاب وحدهم، بل في المشهد كله، الذي صار بحاجة إلى مراجعة… لا في قاعات الامتحان فقط، بل في ما قبلها بكثير.
فما جرى هذا العام ليس مجرد طرائف تُحكى، بل إشارات تستحق أن تُقرأ جيدًا. لأن الضحك، مهما طال، لا يمكنه أن يكون سياسة تعليمية.
وفي ختام هذا المشهد الذي اختلطت فيه الإجابات بالنوايا، والورقة بالورطة، يحق لنا أن نتساءل – لا بقلق فقط، بل بسخرية مُرّة – عن المستقبل الذي ينتظر بلدا تُدار فيه المعرفة بهذه الخفة. أي غدٍ سنستيقظ عليه، حين يتخرج هذا الجيل ليقود مؤسسات، ويكتب قرارات، ويصوغ مصائر؟ هل سنجد أنفسنا أمام مهندسين يراجعون المخططات من “ورقة غش”، وأطباء يعتذرون عن الأخطاء من نص مكتوب سلفا؟ أم أن الأمر أبسط من ذلك بكثير: مستقبلٌ بلا مفاجآت… لأنه، ببساطة، امتداد طبيعي لما نراه اليوم؟.
