عين الراصد

فائز الفكى يكتب: الطريق إلى الطينة

… حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

في الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُخاض فقط عند خطوط التماس، بل على الطرق التي لا تنام، وعلى المسافات التي تبدو للعين بعيدة، لكنها في منطق السلاح قريبة حدَّ الخنق.

ما يجري اليوم في أبو قمرة وكرنوي وآمبرو ليس صراعًا عابرًا على مناطق هامشية، بل فصلٌ جديد من حربٍ تُعيد تعريف الجغرافيا بوصفها أداة قتال، وتحوّل الحدود من هامش الوطن إلى قلب أزمته.

ليست أبو قمرة وكرنوي وآمبرو مجرد أسماءٍ على خريطةٍ بعيدة، ولا نقاطًا منسية في أطراف الوطن؛ إنها اليوم مفاتيح، ومن يمسك بالمفتاح يتحكم في الباب، وما خلفه من مصير.

الدعم السريع لا يتحرك بعشوائية، بل بخطة واحدة واضحة المعالم: السيطرة على هذه المناطق لفتح طريقٍ استراتيجي يقود إلى الطينة، حيث الحدود، وحيث تتحول الجغرافيا من أرضٍ صامتة إلى شريان إمدادٍ نابض.

يدرك الدعم السريع أن هذا الطريق الاستراتيجي يقود إلى الشريط الحدودي مع ليبيا وتشاد. هناك، لا تنتهي الأرض عند لافتة، بل تبدأ شبكة الإمداد، ويتحوّل الفراغ الصحراوي إلى ممرٍ مفتوح للسلاح والوقود والمقاتلين. وحين تُؤمَّن هذه الشرايين، يصبح النزاع أكثر شراسة، وأكثر قدرة على الاستمرار، وكأن الحرب تجد في الحدود وقودًا إضافيًا لعمرها الطويل.

الحدود هنا ليست خطوطًا مرسومة بالحبر، بل رئات تتنفس منها الحرب. وليبيا وتشاد ليستا جارتين فقط، بل نافذتين محتملتين للسلاح والوقود والمقاتلين، وكل من يسيطر على الطريق يملك القدرة على إطالة أمد الصراع أو خنقه.

إنها معركة على الممرات، لا على الشعارات.

وتأمين الإمداد الخارجي ليس نهاية الخطة، بل بدايتها. بعدها تتجه الأنظار نحو المرحلة التالية: الضغط على محاور شمال وجنوب كردفان، ومحاولة تطويق الدولة من أطرافها، قطعةً قطعة. إنها استراتيجية النفس الطويل، التي لا تراهن على الحسم السريع، بل على إنهاك البلاد، وإطالة أمد النزف حتى يفقد الوطن قدرته على الوقوف.

الأخطر من ذلك، أن يتحول النزاع إلى حربٍ ممتدة على طول الشريط الحدودي للسودان. فحين تشتعل الحدود، لا تبقى دولة بمنأى عن الارتدادات؛ السلاح يعبر، والفوضى تعبر، وتتعقد العلاقات مع الجوار، ويتحوّل الأمن الإقليمي إلى رهينة لصراعٍ داخلي بلا أفق. عندها، لا يعود النزاع سودانيًا خالصًا، بل عقدةً إقليمية تتغذى على هشاشة الحدود وطولها واتساعها.

وخطرٌ آخر يطل من هناك، من على تخوم الحدود؛ حيث يسير المدنيون عكس اتجاه السلاح. عائلات كاملة تهرب ليلًا، تحمل أطفالها على الأكتاف، وتجر ما تبقى من حياةٍ في أكياسٍ مهترئة. لا يفرّون فقط من الرصاص، بل من فكرة أن يتحول موطنهم إلى ممر حربٍ دائم. الحدود التي كانت باب رزقٍ للتجارة والرعي أصبحت اليوم فخًا واسعًا، يُحاصر الناس بين نار الداخل ومجهول الخارج.

ما يجري في شمال دارفور اليوم ليس سوى تمهيدٍ لمرحلةٍ أخطر. فحين تُؤمَّن الإمدادات الخارجية، لا يعود السلاح مترددًا، ولا الخطة ناقصة.

في هذا المشهد، يبدو الوطن كجسدٍ مُنهك، تُختبر أضلاعه واحدةً تلو الأخرى. كل منطقة تسقط لا تسقط وحدها، بل تُسقط معها وهم أن الحرب يمكن أن تبقى محصورة، أو أن النار يمكن أن تُحاصَر في زاويةٍ واحدة.

هذه ليست حرب مواقع فقط، بل حرب طرقٍ وإمداد ونَفَس طويل. ومن يربح الطريق اليوم، قد يفرض شروطه غدًا.

والسؤال المؤلم ليس إلى أين يتجه الدعم السريع، بل: هل نعي نحن خطورة أن تتحول حدود السودان إلى مفاتيح حربٍ مفتوحة، بلا سقف ولا نهاية؟

الدفاع عن الحدود هنا ليس مسألة سيادة فحسب، بل مسألة حياة لملايين المدنيين الذين لا يملكون ترف الحسابات العسكرية، ولا قدرة الانتظار الطويل.

إنها لحظة تستدعي أكثر من بيانات، وأكثر من صمت.

لحظة تُدرك فيها الدولة أن الدفاع عن الخريطة يبدأ من حماية أطرافها، قبل أن يصل الحريق إلى القلب مرةً أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى